منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج النقد الفقهي عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع

الجزء ١ · صفحة ١٤

· الإصباح جنبا في نهار رمضان: وهي مسألة مشهور خلاف الإباضية فيها للمذاهب الأربعة، لذا نجد ابن بركة أطال فيها البحث، مبيِّنا حجج مذهبه في المسألة، كما ناقش أدلة المخالف، ونقد استدلالاتهم؛ منها استدلالهم بآية الصوم: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: 187]؛ فقالوا: إن الله أباح الجماع إلى طلوع الفجر، وهذا يلزم منه أن يصبح جنبا، ولو كانت الجنابة مفسدة للصوم لوجب أن يحرم الوطء في آخر جزء من الليل بمقدار ما يتَّسع للغسل(1). ويسمى هذا عند علماء الأصول بدلالة الإشارة.

فردَّ على هذا الاستدلال بأن الوقت المقدر للغسل مخصوص من الإباحة، وداخل ضمن النهي عن الإصباح جنبا، لأنَّ الغسل من لوازم الجماع، وهذا مثل الصلاة «لها أول وآخر، فالمتعبِّد بها يوقعها فيه وفي أي وقت منه، ثم مع ذلك لا يجوز إلا بالطهارة، فقد خصَّ للطهارة وقتا من أوقات الصلاة، وكذلك الغسل من الجماع خصَّ له وقت من أوقاته»(2).

· صرُّف الوالد في مال ولده: نقد ابن بركة قول من أجاز للأب أخذ مال ولده على غناه استنادا إلى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك»(3). فقالوا: قد ملَّك النبي - صلى الله عليه وسلم - الأبَ مال ولده بظاهر هذا الخبر، لكن كان لابن بركة نظر آخر في دلالة الحديث، حيث قال: «والنظر يوجب عندي أن هذا الخبر لا يوجب تمليك المال، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد به منزلة الأب وعظم حقِّه على ولده، وتعريف الولد أنه من والده وبضعة منه، وأن الولد من كسب الوالد»(4). كما اعترض على استدلالهم بقوله: «ولو كان قوله: «أنت ومالك لأبيك» يوجب أن يكون مال الابن لأبيه لم يكن الحاكم يفرض للأب على ولده النفقة إذا كان فقيرا أو محتاجا؛ لأن الحاكم لا يفرض لأحد النفقة في مال يملكه، وإنما يفرض له في مال غيره»(5). فأثبت بطلان القول وهو ملكية الوالد لمال ولده بإبطال أحد لوازمه وهو عدم فرض الحاكم النفقة على الولد، وإذا بطل اللازم فقد بطل ملزومه قطعا.

ثالثا: نقد الأقوال:

والنقد هنا متجه إلى قول الفقيه لا إلى دليله، إذا كان قوله مناقضا لقواعد العقل أو النقل، أو مخالفا لأصوله في الاجتهاد، أو معارضا لرأي آخر له في مسألة مشابهة.

وقد برز ابن بركة في هذا المجال، فلا تكاد تخلو مسألة في "الجامع" من الاعتراض والمناقشة ثم الترجيح، سواء أكان النقد ضمن دائرة أقوال المذهب، أم على مستوى المذاهب الفقهية. ويمكن الاصطلاح على الأول: بالنقد الداخلي، وعلى الثاني: بالنقد الخارجي.

(1) () … القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 2/ 326. الغزالي: المستصفى، ص 264.

(2) () … الجامع، 1/ 473.

(3) () … سنن أبي داود، كتاب البيوع، رقم:3530. سنن ابن ماجه، كتاب التجارات، رقم:2292.

(4) () … الجامع، 4/ 1683.

(5) () … الجامع، 3/ 1684. وينظر: 3/ 1694.