الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45-145هـ) مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي

Alsaidia_30_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٧٩

من المعلوم أن البصرة والكوفة كانتا في العصر الذهبي الأول (صدر الإسلام)

حاضرتي العلم بالعراق (1)، وذلك لاستقرار كثير من الصحابة فيهما إذ كانوا هم المنابع الصافية لنشر العلم، وتكوين حلقات الدرس في المساجد وغيرها والبصرة على وجه الخصوص ـ كما أسلفنا. من قبل ـ لأنها يومئذ تعج بفطاحل العلماء من الصحابة

ومن بعدهم التابعون.

-

وقد كون هؤلاء الصحابة والتابعون حلقات لنشر العلم على اختلاف طبقاتهم في العلم، واختلاف هممهم في توصيل دين الله إلى الناس، فكان كل حي من أحياء البصرة لا يخلو من مجلس لنشر العلم. ويكفى الباحث دليلا أن عدد القراء في البصرة قبل أن يغادرها أبو موسى الأشعرى عام 29 هـ قد بلغ ثلاثمائة قارئ (2)، والقارئ يومئذ بمعناه المفهوم هو الفقيه، لأنهم كانوا يسمون بالقراء، وكان لهم دور بارز في حركة الدعوة تدريسا وافتاء ونشراً للإسلام بين المجتمع البصرى. وسلك التابعون مسلك الصحابة في هذا الميدان، وقد كان للموالى فى البصرة دور بارز في هذا الشأن، فقد استطاعوا أن يسيطروا سيطرة شبه تامة على مجال نشر العلم وانشغالهم به بعد أن اشتغل العرب بالفتوح، ورأوا أن الالتفات إلى هذا الأمر لا يفيدهم في حقل الحياة إلا من رحم ربك من فقهاء التابعين من العرب (3).

فكان عداد كثير من الموالى فى كبار التابعين أمثال عكرمة مولى بن عباس، وحمران مولى عثمان، والحسن البصرى مولى أنس، وسيرين مولاه أيضا، وأبو العالية، ومكحول وغيرهم، وهناك عوامل أخرى لتسابق الموالى إلى العلم سبق ذكرها (4)

وكان الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى عروة بن أدية التميمي من هؤلاء الموالى المعدودين فى طبقة كبار الناشرين للعلم والدعوة الإسلامية بشتى فروعها، ولو

(1) أحمد أمين - فجر الإسلام: 182 - 183. (2) د. عون الشريف قاسم: شعر البصرة: 9. (3) نفس المرجع ص: 25. (4) انظر: الفصل الأول ص: 109.

179