الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه (45-145هـ) مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي

Alsaidia_30_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٦٧

المطلب الأول: نماذج مما خالف فيه شيوخه:

إن الخلاف بين الفقهاء أمر طبيعي، وذلك لاختلافهم في إدراك معاني النصوص الشرعية سواء من حيث فهمهم للنصوص، أم من حيث الوثوق بالرواية.

وقد اختلف الصحابة والتابعون من بعدهم في فهم النصوص من حيث إنها تدل على أكثر من معنى، كدلالة القرء على الحيض، أو الطهر، وذلك فيما لم يرد فيه نص تفسيرى من الشارع، فأما ما ورد فيه نص فلا نزاع فيه.

وكذلك اختلافهم من أجل اختلافهم في استيعاب السنة والوثوق بها، ومن المؤكد أن السنة النبوية لم تكن مدونة في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، ولا

مجموعة ـ وإنما هي محفوظة فى الصدور - وقد سمع بعض الصحابة ما لم يسمعه الآخرون وأدى ذلك إلى الاختلاف في العمل والرأي بلا شك، وكم من صحابي روى عن رسول الله حكماً شاهده ولم يكن عند الآخرين سابق علم به، كما وثق بعض التابعين برواية حديث ولم يثق بها البعض الآخر

تفاوتت

كما أن مدارك العقول والأفهام بين فقهاء الصحابة والتابعين ومن بعدهم قد، لأنه من الضروري جداً أن تتفاوت عقول الناس في الإدراك، إذ لو كانت متساوية لم تكن هناك حاجة إلى التفكير لأن النتيجة فى هذا واحدة، أما الاختلاف في الرأى ففيه إبداع ونمو للفكر وبذل للجهد في الوصول إلى الحقيقة، ولا شك في أن ذلك سيؤدى إلى الاختلاف فى الرأى.

ولما كانت آراء الناس مختلفة وعقولهم متفاوتة فإن الاجتهاد يختلف باختلاف البواعث على الاجتهاد في المسألة، فما يكون صواباً عن مجتهد قد يراه المجتهد الآخر خطأ وهكذا … ولهذا روى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: قوله: (ما من عالم إلا وفي علمه مأخوذ ومتروك ما خلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي الله) (1). والتقليد في مثل هذا النوع من المسائل التي هي محل نظر مذموم للعالم المجتهد، قال أبو غانم لشيخه أبي المؤرج في بعض المسائل، عمن تؤثر هذا القول وإلى من تسنده؟ قال: (إلى أهل النظر من أهل الفقه والإنصاف، ولا يكون ناظر ولا منصفاً

(1) غاية المطلوب: 74.

467