Alsaidia_30_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٧٥الخاتم
رأينا فيما سبق أن الإمام أبا عبيدة مسلم بن أبى كريمة التميمي هو من التابعين، إذ ظهر من خلال البحث أنه نشأ وعاش بالبصرة فى الفترة ما بين 45 هـ الى 145 هـ، وفي هذه الفترة كان كثير من الصحابة على قيد الحياة، وظهر لنا أنه روى عن بعضهم مما يؤكد لنا صحة ذلك.
وظهر من خلال البحث أيضاً مكانة البصرة التى عاش فيها هذا الإمام، والأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها البصرة خاصة والدولة الإسلامية عامة في الفترة التي تهم البحث، والتي عاش الإمام المشار إليه في خضم أحداثها، مما جعلته يتأثر بتلك الأحداث فينحى منحى العلماء الذين ابتعدوا عن الشبهات، ومخالطة أولى السلطة، لئلا يفتتن هو بهم، ولا يفتتن بهم غيره في المجتمع الذي حوله. وتبين أيضاً أن الإمام أبا عبيدة كان من الموالى المعدودين الذين أخذوا من الإسلام بنصيب وافر، وساهموا في رفع شأنه بكل ما أوتى من جهد، وكان على خلق حميد، ومقام رفيع بين أقرانه ومعاصريه، فكانت له مكانة علمية وقدرة إدارية ظاهرة بين معاصرين من الأباضية وغيرهم.
ورأينا كيف عاصر نشأة الفرق الكلامية في الإسلام فكانت له مناظرات مع بعض أصحاب الفرق مدافعة العقيدة الصحيحة، وقد عد فيمن تأسى بهم الأباضية يومئذ عن بل كان أكبر شيوخهم بعد جابر فقام بالدور الذي كان يقوم به جابر من الإفتاء والتعليم والإرشاد، فكانت ترد إليه الاستفسارات من المشرق والمغرب ويؤتي إليه للمناظرة في علم الكلام فتعلق به الأباضية وائتموا به، ولذا حاولنا البيان عن الأباضية ومنهجهم وعلاقة الإمام بهم.
فكان من جراء ذلك أن امتحن هذا الإمام مع زميله ضمام بن السائب الندبي العماني، كما امتحن غيره يومئذ من العلماء المصلحين فدخل سجن الحجاج، وذاق أليم تعذيبه فلم يزدهما ذلك إلا صلابة في الحق، وشدة على الباطل وأهله، ويقينا بوعد الله الذي لا يتخلف من نصره بعباده المؤمنين. وإن هذا الإمام كان يرد إليه التلاميذ من المشرق كخراسان وعمان واليمن، وبلاد العراق والحجاز، ومن الغرب كمصر والمغرب، وغير هذه البلدان، فتزودوا منه بالعلم
575