المدونة الكبرى بشر بن غانم الخراساني أبو غانم

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٦٣

اللاحقين من

العلماء، أمثال ابن بركة والعوتي وأبي يعقوب الوارجلان فقد تمازج الفقه وأصوله في ثنايا المدونة، بما عرضت من مسائل واجتهادات، كشفت عن عناية بالتأصيل واعتماد الدليل، إذ نجد في المدونة توظيفا لقواعد الاجتهاد، وضبطا لأسسه، وترتيب أدلته عند التعارض، فضلا عن العناية بمقاصد الشريعة واعتبار مآلات الأفعال عند تنزيل الاجتهاد على أرض الواقع. وهو ما تفيده حوارات تلاميذ أبي عبيدة حول عديد من القضايا. وتسعفنا المدونة بصورة جلية لهذا التفاعل الحي بين العقل والوحي، والمراوحة بين النص والواقع، في رحاب الفقه الإسلامي الأصيل. وتستوقفنا فيها عديد من المشاهد الحية للحوار العلمي، سواء بين الفقهاء أنفسهم، أم بينهم وبين تلاميذهم بعيدا عن فرض الرأي عاريا عن البرهان، أو إلزام المرء به دون قناعة وبيان.

وبهذا كشفت المدونة عن أصالة الفكر الاجتهادي لدى المدرسة الإباضية، ورسوخ النظرة النقدية الفاحصة لدى فقهائها، إذ لم يأسروا أنفسهم في حدود اجتهاد رجل بعينه مهما علا قدره ورسخ قدمه، لأن معتمدهم الدليل لا أقوال الرجال ومرجعهم نصوص الكتاب وسنة المصطفى عليه السلام.

وأبو غانم في مدونته لم يكن حبيس آراء الإباضية لا يعدوها، بل تضمنت المدونة آراء فقهاء المسلمين كإبراهيم النخعي وشريح القاضي والحسن البصري، وربيعة الرأي، وأبي حنيفة النعمان، ومحمد بن الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى على تفاوت في ما نقل من آراء

هؤلاء العلماء (1).

(1) - للمقارنة ينظر فهرس الأعلام ضمن فهارس الكتاب.

-63 -