الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٤وقد ورد ذكر إبراهيم النخعي زهاء أربعين مرة، وكان ابن عبد العزيز معجبا بآرائه، لقوة استدلالاته، ويعلن ذلك لتلميذ أبي غانم غير مارة، ويصرح له بذلك دون مواربة ويبين له أنه يتبع الدليل ولا يظل أسير أقوال الرجال. وكثيرا ما يسأل أبو غانم ابن عبد العزيز عن سبب اختياره قول إبراهيم وعدوله عن آراء فقهاء، مذهبه فيجيبه قائلا: «وقول إبراهيم
عندي
أعدل، و به
نأخذ».
«قلت لابن عبد العزيز: سبحان الله، أتأخذ بقول إبراهيم وتدع قول جابر وأبي عبيدة؟ قال لي: أنت رجل مقلد، وما لي لا آخذ بقول من أرى قوله عدلاً، نافيًا لريبة نفسي، ومُبعدا عن مقارفة الخطا. والأخذ بالثقة قول إبراهيم، فاعتمد عليه» (1).
وفي هذا الحوار صورة حية للتلميذ الحريص على الالتزام بفقه مدرسته، وجواب الشيخ المنصف الذي يتخذ الحق وجهته وغايته، لا أن يصدر عن إمام المذهب أو أحد تلامذته، أو عن غيره، ما دام
يعنيه
يعضده الدليل.
وحين ساد أفق الحوار العلمي المفتوح، عرفت الآراء طريقها إلى الظهور، ثم التدوين والإثراء، مما صبغ فقه المدرسة بصبغة المرونة وتعدد الآراء، والاستفادة من مختلف الرؤى والاجتهادات، وكان ذلك مصدر ثراء وحيوية أمد حلولا واقعية لمشاكل الناس على اختلاف مستوياتهم وظروف معاشهم.
ومن الإنصاف القول إن مدونات الفقه الإباضية كانت أنموذجا للفقه المقارن منذ الصدر الأول فيها تأصل منهجه، وطبقت قواعده، ونما
(1) - أبو غانم المدونة الكبرى، ج 3، كتاب الوصايا، ص 78.
-64 -