نداء الحق أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

Alsaidia_37_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٧٠

370

نداء الحق

وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم السابق كالمقدمة والترك كالثمرة والتابع المتأخر. وبهذا الاعتبار، قال: «الندم توبة»، إذ لا ينفك الندم عن علم أوجبه وعن عزم يتبعه فيكون الندم محفوفا بطرفيه، أعني مثمره وثمرته

وقال أبو الحسن علي النيسابوري: معنى التوبة في اللغة: الرجوع. وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية إلى الطاعة، فالعبد يتوب إلى الله والله يتوب عليه، أي يرجع عليه بالمغفرة والعبد تواب إلى الله أي راجع إليه بالندم والله تواب يعود عليه بالكرم والعبد تواب إلى الله بالسؤال، والله تواب عليه بالنوال (2).

6

وذكر ابن القيم أن التوبة تتضمن العزم على فعل المأمور والتزامه فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبا حتى يوجد منه العزم الجازم على فعل المأمور، والإتيان به هذا حقيقة، التوبة، وهي اسم لمجموع الأمرين، لكنها إذا قرنت بفعل المأمور كانت عبارة عما ذكروه، فإذا أفردت تضمنت الأمرين، وهي كلفظة التقوى التي تقتضي عند إفرادها فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، وتقتضي عند اقترانها بفعل المأمور الانتهاء عن المحظور.

فإن حقيقة التوبة الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب، وترك ما يكره، فهي رجوع من مكروه إلى محبوب، فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر، ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها، فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ النور: 31، فكل تائب مفلح، ولا يكون مفلحا إلا من فعل ما أمر به

(1) الرازي: التفسير الكبير، 466/ 3.

(2) أبو الحسن النيسابوري، التفسير البسيط، 409/ 2.