Alsaidia_93_Modified
الجزء ١ · صفحة ٦٧التَّأْطِيرُ الْعَقَدِيُّ
الْإِيمَانُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ
الْقَضَاءُ هُوَ إِيجَادُ اللهِ الْأَشْيَاءَ فِي التَّوْحِ الْمَحْفُوظ إِجْمَالًا. وَالْقَدَرُ إِيجَادُهَا فِي الْوُجُودِ تَفْصِيلًا.
وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ مُتَلَازِمَانِ فِي الْفِكْرِ الْإِسْلَامِي لَا يَفْتَرِقُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ. بَيْدَ أَنَّ الْجَدَلَ الْكَلَامِي دَارَ حَوْلَ الْقَدَرِ بِاعْتِبَارِهِ مُتَعَلَّقًا بِالْمَوَادِّ التَّفْصِيلِيَّةِ فِي
الْوُجُودِ.
وَبِمَا أَنَّ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ مِنْهَا مَا يَسْنِدُ الْفِعْلَ إِلَى اللَّهِ، وَمِنْهَا مَا يَسْيَدُ الْفِعْلَ إِلَى الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ الْجُمْعَ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي الْقَوْلَ عَقِيدَةٌ أَنَّ خَلْقَ الْفِعْلِ مِنَ اللَّهِ وَاكْتِسَابَهُ مِنَ الْعَبْدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَدَّدَ لِلْعَبْدِ مِسَاحَةً يَسْتَطِيعُ التَّحَرُّكَ فِيهَا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ التَّحْدِيدُ الْإِلَهِيُّ هُوَ خَلْقَ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ التَّحَرُّكُ مِنَ الْعَبْدِ فِي الْمِسَاحَةِ الْمَحْدُودَةِ هُوَ كَسْبُ الْفِعْلِ.
وَلَعَلَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا فَأَهْمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَنَهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّهَا} [الشَّمْسِ: 7 - 10]. وَقَدْ تَمَيَّزَتِ الْمَدْرَسَةُ الْإِبَاضِيَّةُ بِتَحْدِيدِ تَارِيخِ مَبْدَأَ الْخَوْضِ فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَذَلِكَ بِاحْتِرَاقِ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ، فَقَدْ رَوَى الرَّبِيعُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زيْدٍ، قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ بَيْتُ الْمَالِ الحَرَامُ مِنْ أَجْلِ شَرَارَةٍ طَارَتْ بِهَا الرِّيحُ، قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: قَدَّرَ اللهُ هَذَا. وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ أَنْ يَحْتَرِقَ بَيْتُهُ. فَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ الاِخْتِلَافُ الْأَوَّلُ فِي الْقَدَرِ، وَيُحَدِّدُ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدَةَ مُؤَرِّخًا حَادِثَ الاحْتِرَاقِ