اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ١١التّذوّق الأدبي والتّحليل الأدبي
إنّ التّحليل الأدبي الذي يعنى بتفكيك بنية النّصّ لمعرفة دقيقة وعميقة لمكوّناته، هدف إلى إدراك الخصائص التي تشتمل عليها كلّ العناصر التي يتركّب منها الأثر الأدبي ويشتمل عليها: الجانب الفكري، النّاحية الفنّيّة، القيم الإنسانيّة، وكلّ ما يتضمّنه النّصّ … وأثر ذلك في المتلقّين: فكرًا ووجدانًا وفنًّا وذوقًا، وفي خضمِّ حياتهم ومعتركها .. إنّ هذا التّحليل يحتاج إلى حسّ مرهف، وانفعال عالٍ، وإدراك كبير، ووعي عميق … للقيام بالعمليّة وتحقيق الغاية منها. ما يوفّر هذا هو التّذوّق الأدبي الجيّد. فهو ولو كان شيئًا مغروسًا في نفس الفرد، إلاّ أنّ نموّه ورقيّه يخضعان لعمليّة الصّقل والتّهذيب والتّوجيه في الإبداع والإمتاع والإقناع …
" والذّوق الفنّي نفسه ليس هوى فرديًّا، بل هو استعداد فطريّ، واكتساب ذاتي في آن واحد، وكذلك الثّقافة ليست مطالعة النّصوص الخالدة وحسب، بل هي – إلى ذلك – إلمام بأطراف من العلوم الإنسانيّة، كعلم الجمال والفلسفة وعلم النّفس، ومع ذلك يُطلب من الدّارس الشّادي أن تكون قدمه راسخة، ورأيه مسدّدًا منذ الخطوات الأولى … "(1)
يعني هذا أنّ الذّوق من مكوّنات شخصيّة الإنسان، بل هو من مقوّماته، التي تؤكّد إنسانيّته، إنّما يحتاج إلى صقل وتنمية وتطوير ليؤدّي مهمّته أو وظيفته ليدرك الجمال الذي خلقه الله - عز وجل - في الأشياء التي أحسن خلقها، وأتقن صنعها، هذا الذّوق يدفعه أن يكون جميلا في سلوكه ومعاملاته وفي علاقاته مع المحيط الخارجي.
في الجمل الآتية نقرأ الجمال، وفي الكلمات الآتية نتملّى الحسن، وفيها نجد الدّليل المادي المحسوس على قيمة الذّوق السّليم في إيجاد الجمال، وتسجيل الحسن. قال الشّيح حمّو بن عمر فخّار (1337 - 1426هـ / 1919 – 2005م) محيّيًا كوكبة من الشّباب أقاموا مهرجانًا ثقافيًّا، وكان أهمّ ما فيه مشاركات أدبيّة فنيّة بديعة، سجّل شعوره بالاغتباط والسّرور والانشراح بأسلوب رفيع، وكلم بديع، ينمّ عن حسّ مرهف، وذوق شفّاف: " والرّابطة المحكمة التي تجمعنا: حبّ الرّوعة، وتعشّق الرّفعة، والإعجاب بالإبداع والذّوق السّليم … لذلك – تجدنا – نعانق الجمال ونتملاّه من أيّ سماء نزل، وننشق العبير من أيّ روض فاح، ونرشف الماء النّمير من أيّ نهر تدفّق، ونرتاح للخرير على أيّ صخرة انحدر وانهمر …
نطرب للصّوت الرّخيم، لا نبالي حنجرته، ونغتنم هبّ النّسيم، ولا نعارض وجهته .. اليد الصّنّاع نربت على كتفها، والعبقريّة المبدعة نسبّح بحمد خالقها … أمّا سحر البيان فلشاعره منّا قلادة المديح، ولناثره عندنا صرّة من خزانة سخيّ غير شحيح .. "(2)
هذا الجمال هو حقيقة موجودة في الكون، يعلن عنها الفكر، ويصوّرها الفنّ أحسن تصوير، يقوم المتأمّل فيها باكتشافها، هذا فعل التّذوّق الأدبي. يقول محمد المبارك: " … فالفكر يسجّل الحقيقة وبعبّر عنها، وقد ينشئها ويدفع إلى تحقيقها، والفنّ يصوّر الجمال ويعبّر عنه، وقد ينشئ الجمال ويبدعه، والحقيقة والجمال في الحياة والطّبيعة ملتقيان، فالشّجرة والنّهر والزّهرة والشّوكة والجبل والسّهل والشّمس والقمر والنّجوم والفراشة كلّها حقائق من حقائق الكون، ولكلّ منها جماله."(3)
يحتاج التّذوّق الأدبي إلى توفير الشّروط التي يدرج فيها ويترعرع، وينمو ويتطوّر ويرتقي؛ حتّى يثمر الثّمار اليانعة، وينتج النّتائج الرّائعة في الفنّ. يقول عبد القاهر الجرجاني: " وبقدر ما يكون المرء من التهاب الطّبع وحدّة القريحة، بقدر ما يكون يتغلغل في الأسرار. وبقدر ما تكون له ألمعيّة يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفيّ. "(4) ما هي هذه الشّروط؟
(1) - عبد الله الطّنطاوي، محمد الحسناوي، في الدّراسة الأدبيّة، تذوّق النّصّ الأدبي، دار الضّياء للنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 2001م، ص: 8، 9.
(2) - الأستاذ حمّو بن عمر فخّار، وقفات ومواقف، نشر جمعية التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 2002م، ص 10.
(3) - محمد المبارك، دراسة أدبيّة لنصوص من القرآن، ط4، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت، لبنان، 1392هـ/ 1993م، ص: 93.
(4) - الدّكتور محمد علي أبو حمدة، في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف، دراسة نقديّة إبداعيّة، ط2، دار البشير، عمّان، الأردن، 1412هـ/ 1991م، ص: 22. ينظر عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ط2، مكتبة القاهرة، القاهرة، 1961م، ص: 293، 296.