اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي

الجزء ١ · صفحة ٣٧

وقوّة ليتطوّر، بما يصنعه العبقري الذي يحسن التّعامل مع اللّغة؛ بما أشار إليه النّصّ السّابق. هذا التّناغم والتّرابط بين اللّغة والأدب في الأداء والبروز في فضاءات التّعبير والتّصوير والتّحبير يحصلان حين يكون هناك ذوق سليم، يدفع إلى حذق طرق الأداء وتحسين العمل. هكذا نقول اللّغة والأدب يعملان معًا على توفير الذّوق بينهما، بشكل متداخل متبادل دومًا. هذا ما استوحته من نصّ مصطفى لطفي.

4 - للمتلقّي دور في عمليّة الارتقاء بالذّوق الأدبي، وذلك من خلال ما يحذقه من طرق جيّدة في قراءة النّصوص؛ وَفق ما يتقنه من مناهج صحيحة في تناول الآثار الأدبيّة. هذه المهارة أو المعرفة تتيح له القدرة على تحليل النّصوص تحليلا صحيحًا، يظهر فيه الإبداع والإمتاع، يعينه على تنمية ذوقه الأدبي، فيمتاح ما في اللّغة من إمكانات وطاقات. ما دام البحث متعلّقًا ومنصبًّا على اللّغة ودورها في الارتقاء بالتّذوق الأدبي.

نأتي بأمثلة من التّأمل في اللّفظة واستعمالاتها أو وجودها في النّصّ، ومكانها في سياقه، بل دورها في التّعبير والتّصوير وإيجاد المعاني:

1 – اللّفظة المفتاح:

الوقوف على اللّفظة المفتاح في النّصّ يعين على الفهم الجيّد، والتّذوّق الفنّي، وإدراك الجماليّة … في لفظة "القميص " وقف الدّكتور محمد علي أبو حمدة، مقدّمًا الدّلالات التي أوحي بها القميص في سياق الأحداث التي ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة يوسف بالتّحليل، واستخراج ما فيها من جمال فنّي، مسلّطًا عليها ذائقته الأدبيّة. وهو بذلك يمثّل نموذجًا للمتلقّي الذي وظّف عنصر " اللّفظة المفتاح " في النّصّ الأدبي. يقول الدّكتور: " ولعلّ هذا القميص كان قد لبسه إسحاق ويعقوب على نحو له مباركة سماويّة وشارة إلهيّة، تمثّل ما كان التّابوت على نحو أو آخر. ويبدو أنّ يعقوب كان قد خلع هذا القميص على يوسف تفاؤلاً بما رآه فيه من مخايل الذّكاء، ويبدو أنّ هذا القميص قد كان ممّا يلي الجسد."(1)

انطلق من هذه المقدّمة ليعرض المواطن التي وردت فيها لفظة "القميص " في آيات سورة يوسف عليه السّلام، وفي كلّ مرّة يذكر الدّلالة التي يدلّ عليها القميص في الآية، ويربطها بمجموع الدّلالات الأخرى، التي تبيّن حقيقة يوسف الفتى العفيف، الوزير المخلص، الأخ الرّحيم، الابن البار …

" وأوّل ما يطالعنا (القميص) هو في قوله تعالى: ﴿وَجَاؤُوا عَلى قَميصِهِ بِدمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أمْرًا فَصَبْرٌ جميلٌ وَاللهُ المسْتَعانُ علَى ما تَصِفُون﴾ (يوسف/ 18) وإذن يكون هؤلاء الإخوة قد أخذوا

(1) - في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف، دراسة نقديّة إبداعيّة، ط2، ص: 36

٣٥ / ٥٥