اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٣٦الكلمة، ومن ثمّ كان الشّعر هو الوسيلة لغنى اللّغة، وغنى الحياة على السّواء، والشّعر الذي لا يحقّق هذه الغاية الحيويّة لا يمكن أن يسمّى شعرًا بحقّ … "(1)
إنّ الكلمة غنيّة، لكنّ غناها يبقى كامنًا، غير ظاهر، وغير متيّسر لكلّ النّاس الكشفُ عنها. والأديب الفنّان الماهر هو تكون له القدرةُ على القيام بهذه المهمّة. هنا تبدو مسؤوليّته كبيرة في هذه العمليّة. هذا ما يبيّن ويؤكّد – أيضًا - دور الأدب في إبراز حقيقة اللّغة، وفي الوقت نفسه يثبت دور الكلمة في البناء الفنّي للأثر الأدبي، فتكون الأدوار متبادلة ومتكاملة بين الأدب واللّغة.
3 – بما أنّ الألفاظ تتأثّر بالمعاني، بمعنى أنّ المضمون هو الذي يستدعي كلمات معيّنة، ينتقيها الفنّان المبدع لتعبّر عن حقيقة ما يتنبّاه من أفكار، أو ما يحمله من مشاعر، أي إنّ الكلمة هي رهن بالمعنى في بروزها، وتبوّئها مقعدًا أو مكانًا في سياق الجملة والنّصّ … فإنّ على الأديب أن يكون مرنًا في اختيار الكلمات والتّصرّف المبدع في رسم كلمات النّصّ، وبمعنى أفصح أن تكون الكلمات منحوتة من أفكار الأديب، ومصبوغة بمشاعره، لا تبقى في دائرة اللّغة المعجميّة، أي يجب أن تبرز آثاره الأدبيّة مطبوعة بطابعه الشّخصي: " … وإنّ هذه الألفاظ تتأثّر بالمعنى. وعلى الأديب أن لا يتشبّث بالوقائع كما هي فيسردها دون إضفاء شيء من نفسه عليها، أو دون استخراج الجمال الكامن في هذه الأشياء أو الأحداث، فإنّ تلوين الأفكار بأصباغ جماليّة ونفسيّة له أثر كبير في تقدير النّقّاد والقرّاء، وهذا التّلوين يكون عن طريق التّصوير والخيال."(2)
يقول مصطفى لطفي: " والفرق بين العبقري وسائر النّاس أنّ هؤلاء يستخدمون اللّغة كما يجدونها، وكما وصلت إليهم. أمّا العبقري فإنّه يستخدم اللّغة لأداء ما توحي إليه عبقريته من أغراض خاصّة، ويشكّلها بالشّكل الذي يتلاءم مع مواهبه وإبداعه، وبهذا تتطوّر اللّغة إلى الأفضل، على يدي الشّخصيّات الأدبيّة الخلاّقة والنّخبة الممتازة. "(3)
إذا حصل الإبداع، وتمّ استثمار المواهب في التّجديد والتّطوير، وسخّرت العبقرية في كسر الجمود وتجاوز المألوف، واستغلّت الإمكانات والطّاقات في السّير بعمليّة الابتكار قدمًا … دبّت الحيويّة في الأوساط، وتقدّمت الحياة وسارت بخطى ثابتة صحيحة نحو الأهداف المنشودة، بل تحقيق الغرض الأساس منها، وهو عمارة الأرض بما يتلاءم مع الظّروف والمستجدّات. فالأدب يخدم اللّغة بالفنّيّات التي يمنحها لها، واللّغة تقدّم للأدب شحنات
(1) - الدّكتور عزّ الدّين إسماعيل، الشّعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة، ط3، دار العودة، بيروت، 1981م، ص: 174.
(2) - مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ص: 39.
(3) - اللّغة العربيّة في إطارها الاجتماعي، ص: 195.