اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٣٩يعلّق الدّكتور قائلاً: " وحين يتحدّث يوسف عن القميص هنا، فإنّما يتحدّث بصيغة بالغة الخصوصيّة. فهو يقول: (اذهبوا بقميصي هذا) وقوله (يوسف) قميصي، بإضافة القميص إلى ياء المتكلّم، ثمّ تأكيده باسم الإشارة (هذا) لهو في الدّلالة الكبيرة على أنّ هذا القميص يقوم الآن بدور (البطولة) وحسم النّصر لصالح معركة الحقّ. ولو لم يكن هذا القميص هو قميص النبوّة ما كان يوسف ليتحدّث بمثل هذه الثّقة بالنّتيجة في مثل قوله: ﴿فَأَلْقوهُ علَى وَجْهِ أَبِي يَاتِ بصيرًا﴾ وقد حصل: ﴿ .. أَلْقاهُ علَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بصيرًا﴾(1)
العثور على (اللّفظة المفتاح) مِنْ هدي التّذوّق الأدبي، والوقوف عليها في النّصّ الأدبي يساعد على فهم الدّلالات التي يحملها البناء اللّغوي للنّصّ، كما يعين على ربط أفكاره وأجزائه ببعضها، وفقه دور العلاقات التي تنتظمها، ومتابعة المآلات التي توصل إليها كلّ لفظة وكلّ تركيبة في النّصّ، كما يساعد في الحصول على الوحدة العضويّة في النّصّ ..
هذا ما جسّده الدّكتور بما قرّره في ختام بسط الحديث والتّحليل لدلالات (القميص) لفظةً مفتاحيةً في النّصّ: " وهكذا يكون (القميص) قد قام بدور كبير من أدوار البطولة، وكان وراء تأمين الاتّصالات (اللاّسلكيّة) بين يوسف من جهة وبين يعقوب من جهة أخرى، عبر لغة (الشّيفرة) التي كان يسمع بعضَ مفرداتها إخوةُ يوسف، ولكنّهم ما كانوا يقدرون على حلّ مغاليقها وفكّ رموزها. وقد كان هذا (القميص) يقوم بتأمين الاتّصالات في حدود الإمكانات البشريّة وآفاقها المتاحة لها، من تأويل وفراسة وألمعيّة واستنتاج وقياس، من غير ما وحي وإخبار إلهي. وفي ذلك ما فيه من إلهاب المشاعر وتطهير العواطف ورياضة النّفس على الصّبر، وعلى التّرقّب، وعلى الاحتمال، وعلى العزم، وعلى الشّعور بحلاوة التّقوى، ونشوة النّصر، واجتياز التّحدّيات والمصاعب والحواجز والعقبات. "(2)
الدّكتور أراد أن يبيّن للقارئ أنّ يوسف عليه السّلام بطل في الأخلاق، وقويّ في شخصيّته، أَبِيٌّ على الإغراء والإغواء، وفيّ للمبادئ ولأصحاب الفضل … وحرص أن يشرك المتلقّي في تذوّق نظم القرآن في سرد الأحداث التي مرّت على يوسف عليه السّلام، فركزّ على أحد العناصر التي تحقّق هذه المتعة، وتكشف عن جمال الأسلوب القرآني، وهو عنصر (اللّفظة المفتاح) فتتبّع المعاني التي دلّت عليها لفظة (القميص) في السّورة، واستخلص منها بطولةَ يوسف عليه السّلام، وقهرَه لكلّ التّحدّيات والضّغوط، فانتصر في نهاية المطاف. والعمليّة