اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٤يقول الباقلاني: " إنّ الكلام موضوع للإبانة عن الأغراض التي في النّفوس، وإذا كان كذلك وجب أن يتخيّر من اللّفظ ما كان أقرب إلى الدّلالة على المراد وأوضح في الإبانة عن المطلوب، ولم يكن مستكره المطلع على الأذن، ومستنكر المورد على النّفس." ويقول الخطّابي: " إنّ عمود البلاغة التي تجمع لها هذه الصّفات هو وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ الأشكل به."(1)
يقول محمود محمد النّاكوع: " الكلمة وما تعبّر عنه من فكر وخطرات، كانت وما تزال من أرقى وأجمل نعم الله التي ميّز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، ومن أوتي قوّة الكلمة وقوّة البيان وجماله: تعبيرًا ومضمونًا، نثرًا أو شعرًا، فقد ملك مفاتيح الأدب، وملك من خلاله عقول وقلوب النّاس، وبخاصّة قلوب من يتذوّقون النّصّ الأدبي."(2)
هذه الفقرات تبيّن أنّ الكلمة التي وكلت إليها وظيفة الإبانة عن المشاعر، ونقل الخواطر، والإفصاح عن الأفكار، وكشف الأستار .. أو أنيط بها مهمّة التّبليغ والإبلاغ .. يجب أن تتوفّر على صفات وخصائص متميّزة ومهمّة وعالية لتقوم بدورها الحقيقي والأساس في الرّبط بين الفرد وما يدور بداخله، وبينه وبين محيطه، وبينه وبين غيره من البشر … هذه الصّفات تتمثّل أساسًا في قوّتها وجمالها واتّساقها وانسجامها ومرونتها لتتلاءم وتتجاوب مع العالم النّفسي للفرد، ثمّ في رشاقتها وأناقتها لتجذب إليها المتلقّي الذي يستقبلها مع المضمون الذي تحمله إليه، وفي قدرتها على الوصل بين العالم الدّاخلي للإنسان وعالمه الخارجي، وقابليتها للتّكيّف مع المواقف والمشاهد والطّوارئ والمستجدّات، والرّغبات والطّلبات والنّزوات ..
هذه الحقيقة، أو هذه الوظيفة والمَهمّة الكبيرة للكلمة تتطّلّب الاهتمام بجانب خطير في سيرورتها وانتقالها من المنتج لها إلى متلقّيها، لتَنقُل ما يدور في الأذهان ويفيض به الخاطر، وما يكون في الجَنان من المشاعر … يتطلّب هذا الدّورُ البحثَ في داخل هذه الكلمات عن سرّ كبير وبديع يدفع إلى الإفادة منها، والارتباط بها، إنّه صفة الجمالية والحسن اللّذين هما عنصر وعامل وسببُ إعطاء الكلمة القوّةَ وحسن التّقبّل عند سماعها في سياق جميل بديع ممتع … يقول محمد علي أبو حمدة: " … وإنّه وإن كان أعيان هذه الأمّة قد شغلهم صيانة التّراث اللّغوي والأدبي – حياطة لرسالة الإسلام – عن صرف الهمم في تذوّقه، إلاّ ما جاء
(1) - الدّكتور إبراهيم السّعافين وآخرون، أساليب التّعبير الأدبي، الإصدار الثّالث، دار الشّروق، عمّان، الأردن،2000م، ص: 23.
(2) - محمود محمد النّاكوع، الحبّ والجمال في الإسلام، ط2، نشر مكتب الدّراسات العلميّة، الجزائر، محرّم 1428هـ/ جانفي 2007م، ص: 107.