اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي

الجزء ١ · صفحة ٥

منهم عفو الخاطر، فإنّنا اليوم في مسيس الحاجة إلى عبور هذه النّصوص العبور الجمالي الذي يدوّن ويناقش، ويثير ويستثار.

وإنّني من هذا المنبر الشّر يف في غرفة التّدريس بالجامعة لأناشد ذوي الحسّ الجمالي، الذين لهم مع النّصوص عيش، وصارت لهم معها ألفة، وكوّنوا حولها رأيًا- أن يصيّروا هذا الرّأي تعليلاً، يصحّ أن يكون التّواصل الفكري، ويصحّ أن يكون الحوار يرفد أو يرفض. إنْ ذلك في الاستثارات التي تعيد لنصوصنا الشّعرية رواجها، وتجدّد شبابها، وتعمّق الإحساس بفنّيتها وجمالها لدى شبابنا وشابّاتنا، وفي عيون قرّائنا والرّانين إلى لغتنا من داخل معسكر الإسلام الذي شرّفنا ويظلّنا، أو من خارجه."(1)

النّصّ يحمل نداء رقيقًا وقولا جميلا لإبراز رقّة اللّغة العربية وجمالها، لتنميّة الذّوق في أبناء هذه اللّغة، وترقيته بالمداومة على تملّي أنساقها، وفتح المحال للتّحاور مع مفرداتها وتراكيبها، واستثارة الحسّ بالجمالية فيهم، وتحريك القابلية لاستخراج الحسن والرّوعة في النّصوص؛ بترويضهم على التّذوّق الفنّي والجمالي. الكلمات التي جمّلت بها ووشّيت بها جمل النّصّ تدلّ على هذا: (العبور الجمالي، الحسّ الجمالي، تجدّد شبابها، تعمّق الإحساس بفنّيتها وجمالها لدي شبابنا وشابّاتنا … )

إنّ اللّغة العربيّة - إذن - بما تمتلك وتختزن من جمال وحسن وقوّة وبَدعٍ … تنتظر من يتناولها أحسن التّناول، ويسير بها في الطّريق الصّحيح في توظيفها واستعمالها، والكشف عن مخزونها القيّم لترقى بعمليّة الإبداع إلى مكان قصيّ ومرتبة متقدّمة، وتوفّر ما يعين على رقيّها … وهو التّذوّق الفنّي الأدبي. هذه الفائدة أو هذه الغاية هو محصّلة بَدَهيّة، يجب أن يصل إليها كلّ من يتعامل مع اللّغة العربيّة التّعامل الواعي الرّاقي؛ فهي تملك رصيدًا فنيّا وفكريًا، يجب أن لا يغيب أو يختفي بسبب عدم القدرة على توظيف الإمكانات والقدرات. في ذلك. يقول محمد علي أبو حمدة: " إنّ التّذوّق الجمالي للنّصوص الشّعريّة لهو في الوقفات الذّاتيّة التي يستنطق من خلالها المتذوّق كوامن الأحاسيس التي فجّرت ينابيع الشّعر، ورافقت عمليّة ولادته، وهو العبور الجمالي الذي من خلاله تبين النّصوص ذات نكهة وطعم وشميم – إن صحّ التّعبير – خاصّة، يستشعر حلاوتها من واقعها. إنّها الذّاتيّة الفرديّة بكلّ ما للذّاتيّة من تفرّد في التّكوين الفكري والثّقافي وطرائق التّفكير ودرجة الإحساس بالجماليّة والاستجابة لها. إنّها أفق ذاتي في التّعامل مع النّصوص.

(1) - محمد علي أبو حمدة، في التّذوّق الجمالي لقصيدة " بانت سعاد"، ط2، مكتبة الأقصى، عمّان، الأردن، 1403هـ/ 1983، ص: 8، 9.

٥ / ٥٥