اللغة العربية ودورها في الارتقاء بالتذوق الأدبي
الجزء ١ · صفحة ٦فإن كان هذا الأفق في المدرّجات التي تصحّ أن تعبر لتغدو حوارًا وتعليلاً فذلك في الزّاد المعطاء الذي ينبغي أن يحرص عليه، وأن تُكثَّر منه الآفاق – كي تغدو أعمال التّذوّق الجمالي للشّعر العربي الذي وطَّأ لرسالة الإسلام – في المنافسة التي تحبّب لكلّ من اتّصل بهذه اللّغة الشّريفة بسبب – أن يعاود قراءة الشّعر بعيون جديدة، وبنفسيّة متجدّدة، ووَفق مناخات متعدّدة. "(1)
إنّ كلّ من كتب عن اللّغة لعربية بهذا المنظور، وألّف من هذا المنطلق، وسار إلى هذه الغاية، وكشف عن دور هذه اللّغة في الحياة الاجتماعية، وأثرها في تنمية المجتمع، وبيّن مكانها في مسيرة الحياة، وعلاقتها بتحقيق أهداف معيّنة محدّدة في منهجيّة التّعامل مع المحيط والفضاء الخارجي، وتحديد رؤية واضحة للمستقبل واستشرافه، والحديث عن طرق إنجاز أعماله ومشروعاته: تفكيرًا وتخطيطًا وتنظيرًا وتنظيمَ شؤونه … كلّ من تناول ذلك تطرّق إلى مجال الأدب والأسلوب والفنّية والجماليّة … تدفعه إلى هذه الميادين اللّغةُ العربيّة، التي يعالج حقيقتها وخصائصها ومقوّماتها …
تتضافر كثير من العناصر لإبراز هذه المجالات، التي يجمعها الأدب في حضنه، وينسّق بينها، ممّا ينتج وسيلة مهمّة، هي ثمرة هذا التّضافر والتّكاثف والتّآزر … هذه النّتيجة والوسيلة هي " التّذوّق الجمالي لنصوص اللّغة العربية ". إذن يتعاون المعجم اللّغوي والبلاغة والنّحو وفقه اللّغة. واللّفظ المفرد والتّراكيب والنّظم والنّقد … ليُقدّم كلُّ ذلك ويُعِدّ فضاء كبيرًا ومساحة رحبة يترعرع فيها الذّوق الفنّي ويرتقي التّذوّق الجمالي. ينطلق من اللّغة العربية وينتهي إليها. هو يبني كيانه وذاته وحقيقته من اللّغة العربيّة. ويقدّم ثمرته ونتاجه بيانًا وإبداعًا، لِيبرز قيمة اللّغة العربيّة وقوّتها، وخصوبتها وعذوبتها …
يقوم المتذوّق للأثر الأدبي بهذه العمليّة بشكل متكامل؛ لأنّ الجماليّة وجدت - أصلا - بهذا التّكامل والشّموليّة، فلا يمكن أن نفصل أجزاءَ العمل الأدبي عن بعضها ونحن نبحث ونستخرج الحسن الذي فيه. " … لأنّ العمل الأدبي كلٌّ متماسك متفاعل، فاللّغة هي اللّبنات الأولى التي تبني النّصّ، والمضمون هو المعنى الذي نشكّله من اللّغة، ونشكّل اللّغة بناء عليه، والخيال هو الصّورة التي تتراءى من انسجام المعنى واللّغة، وتولّد هذه الصّورة عادةً عاطفة في نفس المتلقّي، وتقوم هذه العاطفة بتوليد اتّجاه لدى المتلقّي تجاه الموضوع المطروق، وتأتي الموسيقى لتعضد كلّ ذلك …(2)
(1) - المرجع السّابق، ص: 7، 8.
(2) - الدّكتور عبد القادر أبو شريفة، حسين لافي قَزَق، مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ط3، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 1420هـ/ 2000م، ص: 86، 87.