معالم الحق: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_111_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٠

مظالم الحق تمهيد:

لقد دعا العلامة ابن عاشور إلى التعمق في دراسة هذه الآية من خلال قراءات منهجية للأدلة الأخرى الواردة في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله المصطفى الله، حيث قال ابن عاشور: « … وعندي أن هذه الآية، إن كانت مراداً بها الإعلام بأحوال مغفرة الذنوب فهي آية اقتصر فيها على بيان المقصود، وهو تهويل شأن الإشراك، وأجمل ما عداه إجمالاً عجيباً، بأن أدخلت صورة كلّها في قوله: {لَنْ يَشَاءُ المقتضي مغفرة لفريق منهم ومؤاخذة لفريق مبهم. والحوالة في بيان هذا المجمل على الأدلة الأخرى المستقراة من الكتاب والسنة … ولكنها نزلت بعد معظم القرآن، فتعين أنّها تنظر إلى كل ما تقدّمها، وبذلك يستغني جميع طوائف المسلمين عن التعسف في تأويلها كل ما يساعد نحلته، وتصبح صالحة لمحامل الجميع، والمرجع في تأويلها إلى الأدلة المبينة».

وقال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ: «وهذا من المحكم المتفق

عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة 26. وقال في تفسير قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لَمَنْ يَشَاءُ: (من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه "، ثم ذكر ثلاثة أقوال:-

قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركاً بالله تعالى (28.

وقال بعضهم: قد بين الله تعالى ذلك بقوله: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (النساء: (31) فأعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر». وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة للتي في آخر «الفرقان». قال زيد نزلت سورة «النساء» بعد «الفرقان» بستة أشهر، والصحيح أن لا نسخ؛ لأن النسخ في الأخبار

يستحيل».

ثابت بن

وأوضح ابن عاشور معنى قول الإمام القرطبي) فهذا من المتشابه الذي تكلّم العلماء فيه»، حيث قال ابن عاشور: «وهو يريد أن ظاهرها يقتضي أموراً مشكلة:-

الأول: أنه يقتضي أن الله قد يغفر الكفر الذي ليس بشرك ككفر اليهود.

الثاني: أنه يغفر لمرتكب الذنوب ولو لم يتب.

الثالث: أنه قد لا يغفر للكافر بعد إيمانه وللمذنب بعد توبته، لأنه وكل الغفران إلى المشيئة، وهي تلاقي الوقوع والانتفاء. وكلّ هذه الثلاثة قد جاءت الأدلّة المتظافرة على خلافها، واتفقت الأمة على مخالفة ظاهرها، فكانت الآية من المتشابه عند جميع المسلمين».

ولقد ظهرت أساليب وطرق القائلين بالشفاعة لأهل الكبائر وإضحة عند تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (البقرة 48). وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مَا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ

وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة 254).

فالقارئ لهاتين الآيتين الكريمتين يجد أن كل كلمة هي دعوة إلى الجد في العمل ودعوة إلى تقوى الله تعالى والحذر من يوم القيامة الذي لا ينفع فيه أحد أحداً.

10