معالم الحق: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_111_Modified

الجزء ١ · صفحة ١١

11

ن معالم

" AA"

هذه الكلمات المعدودة هي الضياء والنور الذي يشق الإنسان به طريقه المملوء بالصعاب وهو في طريقه إلى

دار النعيم.

إنها آيات عظيمة خاطبت الثقلين محسنهم ومسيئهم ولم تخصص قوماً دون قوم، ولكن حينما يلتفت الإنسان إلى روايات جاءت بمعنى العفو في يوم القيامة عن أصحاب الكبائر من غير توبة، فإن الأقلام تلجأ إلى التوفيق بين هاتين الآيتين الكريمتين الواضحتين وبين الروايات التي لا حجة فيها؛ لضعف أسانيدها أو متونها أو لعدم صراحتها في الموضوع.

قال الإمام الطبري: «وهذه الآية وإن كان مخرجها عاماً في التلاوة، فإن المراد بها خاص في التأويل لتظاهر الأخبار عن رسول الله الا الله أنه قال: (شَفَاعَتِي لأهْلِ الكبَائِرِ مِنْ أمتي .. وأنه قال: (لَيْسَ مِنْ نبِي إِلا وَقَدْ أَعْطِيَ دَعْوَةً، وَإِنِّي اخْتِبَاتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةُ لامتي، وَهِيَ نائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُشْرِكَ بالله شَيْئاً). فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين بشفاعة نبينا محمد عه لهم عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله: {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ له إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عزّ وجل» ". وقال الإمام الطبري أيضاً: «وهذه الآية مخرجها في الشفاعة عام والمراد بها خاص. وإنما معناه: من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة لأهل الكفر بالله، لأن أهل ولاية الله والإيمان به يشفع بعضهم لبعض … 33.

فهذا القول الذي سطره الإمام الطبري هو القاعدة التي بنى عليها القائلون بالشفاعة لأهل الكبائر تفاسيرهم وأقوالهم. عبر القرون الماضية. فهم يرون أن مخرج الآيتين ودلالتهما عام يشمل الثقلين، ولكن بسبب الروايات صار التخصيص ليشمل فقط من. مات على كفره.

48

وهاتان الروايتان اللتان ذكر هما الإمام الطبري هنا تمثلان نوعين من الروايات الكثيرة التي اعتمد عليهن المدافعون عن فكرة العفو عن أصحاب الكبائر يوم القيامة إما قبل دخولهم النار أو بعد نيلهم نصيباً من العذاب. النوع الأول: الروايات الضعيفة من جانب السند أو الضعيفة من جانب المتن، وهذا النوع تمثله هنا الرواية التي جاء فيها: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي). النوع الثاني: روايات ليست نصاً صريحاً في موضوع العفو عن أصحاب الفواحش والكبائر، ولكن مثلت مع القائلين بالعفو عن أصحاب الكبائر دليلا لكون ذكر (الشفاعة) جاء ضمن كلماتها. وهذا النوع تمثله الرواية الثانية التي ذكرها الإمام الطبري هنا. وقال الإمام القرطبي عند تفسيره للآية من سورة البقرة: «والأخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحدين من أهم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين. وقد تمسك القاضي عليهم في الردّ بشيئين: أحدهما: الأخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى. والثاني: الإجماع من السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول؛ ولم يَبْدُ من أحد منهم في عصر منا الأعصار نكير». فالإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية الكريمة لم يكلف نفسه عناء التحقيق في جميع الروايات والأقوال التي استثنت عصاة المسلمين من الحكم العام الذي نطقت به هذه الآية الكريمة، بل أخذ بتلك الروايات كغيره، ولو أنه رجع إلى أقوال علماء الجرح والتعديل ونظر نظرة فاحصة في متون تلك الروايات لوصل بإذن الله تعالى إلى يقين ثابت أن الأخبار التي قال عنها متظاهرة (لا تثبت معتقداً أبداً. والملاحظ أن الإمام القرطبي لم يطبق في تفسيره ولا في كتاب (التذكرة (دعوته لجميع الناس حين قال

22:0