معالم الحق: المنهج والتطبيق في دراسة ونقد روايات الشفاعة علي بن محمد بن عامر الحجري

Alsaidia_111_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٨

مظالم الحق ا wwww

وقال الشيخ السعدي: «فيغفر لمن يشاء، وهو المنيب إلى ربه، الأواب إليه فَإِنَّهُ كَانَ لِلاوّبِينَ غَفُورًا. ويعذب من يشاء، وهو المصرّ على المعاصي، في باطنه وظاهره (534. وقال الشيخ السعدي أيضاً: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ الله أي: هو المنفرد بالحكم الجزائي، وهو: إثابة الطائعين، ورحمتهم، وتعذيب العاصين والتنكيل بهم 535.

قال الشوكاني: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ: أي: هو سبحانه بعد النشأة الآخرة يعذب من يشاء تعذيبه وهم الكفار، والعصاة، ويرحم من يشاء رحمته، وهم المؤمنون به المصدّقون لرسله العاملون بأوامره ونواهيه 536.

وقال ابن الجوزي: «قوله تعالى: {ولكن الله يُزكي مَن يَشَاء الله أي: يطهر من يشاء من الإثم بالتوبة والغفران، فالمعنى: وقد شئت أن أتوب عليكم 537. وقال النسفي: «وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء الله من علم منه اختيار الضلالة وَيَهْدِي مَن يَشَاء الله من علم

منه اختيار الهداية ((538. وقال الشيخ الشعراوي: «والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن المشيئة يقول: {لَوْ نَشَاء، ويحدد أسباب المشيئة وهو قوله: {أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وهكذا نعلم أن المشيئة ليست مشيئة ربنا فقط لا، بل هي أيضاً مشيئة العباد الذين ميزهم بالاختيار … 539.

وبين لنا الشيخ الشعراوي هذه الحقيقة الإيمانية في مثال يمر به كل متعلم، حيث قال: … . .. لأن معنى: يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ النحل .. أي: يحكم على هذا من خلال عمله بالضلال، ويحكم على هذا من خلال عمله بالهداية، مثل ما يحدث عندنا في لجان الامتحان، فلا نقول: اللجنة أنجحت فلاناً وأرسبت فلاناً، فليست هذه مهمتها، بل مهمتها أن تنظر أوراق الإجابة، ومن خلالها تحكم اللجنة بنجاح هذا وإخفاق ذاك» 540. وقال ابن القيم: «فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولم يقل: فإنك عزيز حكيم؛ لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء، أي إن تغفر لهم وترحمهم بأن توفقهم للرجوع من الشرك إلى التوحيد ومن المعصية إلى الطاعة كما في الحديث: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» 541. فهذه الآيات الكريمة التي ذكرناها هنا، وأقوال العلماء التي جاءت مفسرة لها تبين لنا أن الألطاف الإلهية تتدخل في حياة العباد لأجل تنفيذ مشيئة الله في الخلق، فمن أراد الله تعالى العفو عنه والمغفرة له ألهمه أسبابهما ووفقه لطلبهما وأعانه على أداء ما به ينالهما.

وبهذه الحقيقة الإيمانية نفهم حديث المصطفى لعل الله حينما بايع الصحابة ميم: «(بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا بيهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه)

فبايعناه على ذلك 542. وأسباب المغفرة قد حددها الشارع الحكيم، فعلى الناس معرفة الأسباب والأخذ بها والاستعانة بالله جل وعلا في أداء ما وجب عليهم. فليس أمام أصحاب الكبائر إلا باب التوبة النصوح فهي السبب المؤدي إلى المغفرة، وما عدا هذا الباب أماني لم ينزل الله بها من سلطان.

AMAM

58