Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ٧ا الا من معالم وقال ابن خلدون موضحاً أحد الأسباب الداعية للتأليف: « … وثالثها: أن يعثر المتأخر على غلط أو خطأ في كلام المتقدمين ممن اشتهر فضله وبعد في الإفادة صيته، ويستوثق في ذلك بالبرهان الواضح الذي لا مدخل للشك فيه، فيحرص على إيصال ذلك لمن بعده، إذ قد تعذر محوه ونزعه بانتشار التأليف في الآفاق
والأعصار، وشهرة المؤلف ووثوق الناس معارفه، فيودع ذلك الكتاب ليقف على بيان ذلك». وحينما يُقدم أي أحد على نقد ما يراه غلطاً وخطأ فعليه أن يتقيد بالقيود التي تجعله عارضاً للعلم وآدابه. قال الشيخ السعدي: «. بل يدخل في عموم هذا الحجج والمقالات، فإنه كما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد منهما يحرص على ما له من الحجج، فيجب عليه أيضاً أن يبين ما لخصمه من الحجج التي لا يعلمها، وأن ينظر في أدلة خصمه، كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع، يُعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه وتواضعه من كبره وعقله من سفهه، نسأل الله التوفيق لكل خير 19. وقال العلامة ابن القيم: «ثم ذكر حجج الآخرين والجواب عن حجج هؤلاء على عادة أهل العلم والدين في إنصاف مخالفيهم، والبحث معهم. ولم يسلك طريق جاهل ظالم متعد، يبرك على ركبتيه، ويُفجر عينيه، ويصول بمنصبه لا بعلمه، وبسوء قصده لا بحسن فهمه ويقول: القول بهذه المسألة كفر، يوجب ضرب العنق، ليبهت خصمه، ويمنعه عن بسط لسانه، والجري معه في ميدانه، والله تعالى عند لسان كل قائل، وهو له يوم الوقوف بين يديه عما قاله سائل» 20.
وقال الإمام القرطبي: «وفي الآية دليل على أن العالم ينبغي له أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به، حتى يعرف فساد قوله، ويعلم كيف يردّ عليه؛ لأن الله تعالى أعلم النبي الا الله وأصحابه قول من خالفهم من أهل زمانهم؛ ليعرفوا فساد قولهم ". ومما يدفعنا إلى الكتابة هو: أن الكثير من المؤلفين الذين تناولوا الحديث عن ا القضايا التي تجاذبتها أفهام المسلمين، لم يتقيدوا بهذه الأخلاق الإسلامية النيرة التي ذكرها الشيخ عبد الرحمن السعدي، والعلامة ابن القيم والإمام القرطبي. فأولئك الكتاب جعلوا مسألة (الشفاعة لأهل الكبائر (دليلاً في ذاتها؛ فسعوا إلى النظر إلى الناس من خلال هذه الفكرة، وتمثلوا كل الأخلاق الرديئة التي نهى عنها علماء الأمة عند التحاور والتناظر وتمييز الآراء بعضها عن بعض، ونسبوا إلى الإباضية الأكاذيب والأباطيل " في محاولة يائسة منهم لإسكات برهان الحق الدامغ، وأنى لهم ذلك؟!.
فمن أخلاق الإباضية - وهم دائماً يسعون إلى وحدة هذه الأمة الكريمة - نصرة المظلوم، ورد الظالم، وهم في كل أحوالهم يرفعون راية العلم - الذي أصل مناهجه علماء المسلمين عبر القرون الماضية بالدعوة إليه والتطبيق لأسسه وقواعده لأجل أن يعيش أفراد هذه الأمة في هذه الحياة الدنيا على أسس من العلم والمعرفة، ولأجل أن يكونوا على علم يقيني ثابت في عقائدهم عن الآخرة.
فأكاذيب أولئك الكتاب لن تخيف أحداً من طلبة الحق والصواب، بل هي عار على كاتبيها وسم زعاف لمن صدق بها واستمرأها، وسيدرك الجميع - إن شاء الله تعالى – ومن خلال هذا البحث أن ما قال به الإباضية في مسألة الشفاعة يوم القيامة هو قول أظهرت حججه وبراهينه علوم الأمة التي تحارب المذهبية والتعصب والكذب والبهتان.
ومما يزيد الشعور بالواجب تجاه تتبع روايات الشفاعة والخروج من النار وعرضها على الميزان الحق هو ما رصدناه من دعوات موجهة للإباضية لكي ينبروا لبيان ما هم عليه من عقيدة حول مصير عصاة المسلمين يوم القيامة، فقد قال العلامة ابن عاشور: « … ولا عجب أعجب من مرور الأزمان على مثل قولة الخوارج