Alsaidia_111_Modified
الجزء ١ · صفحة ٦مظالم الحق
فهذا الحل الذي ينادي به الشيخ محمد محمود الصواف لن يكون له أي قبول في أوساط من يروج لأحاديث الشفاعة ويؤمل العصاة بشفاعة تنجيهم من عذاب النار. فالخطوة الأولى - لكي نطبق أقوال الشيخ محمد محمود الصواف - هي بيان منزلة الروايات التي وجهت الأمة إلى هذه الفوضى في الأخلاق والتحلل من الآداب.
وتساءل الشيخ محمد محمود الصواف كما تساءل غيره - عن الأسباب التي أدت بهذه الأمة إلى ما هي عليه اليوم: «والفوضى السياسية والفكرية والأخلاقية والإجتماعية ما بالها عشعشت في ديارنا حتى غدونا وكأننا لسنا أبناء أولئك الأمجاد الذين رفعوا علم الجهاد، وفتحوا البلاد، وقادوا العباد إلى شاطئ الأمن والسلامة والإسلام، حتى أصبح لهم الأمر، والسيادة، والسياسة في أكثر من ربع المعمورة، وغدا حكمنا يتردد في ثلاث قارات في الكرة الأرضية؟ وإذا أمرنا أصاخت الدنيا لأمرنا، وإذا نادينا تجاوبت أرجاء الأرض لندائنا، وإذا دعونا أمنت الإنسانية لدعائنا … 13. وتساءل أيضاً: «فما دهانا يا ترى حتى قلبت لنا الأيام ظهر المجن؟، وتفرقنا أيدي سبأ، وتداعت علينا الأمم كما تتداعى الذئاب وتعوي على الفريسة وطمع فينا من لا يدفع عن نفسه، وسلط علينا الأشرار، وتحكم فينا الفجار، وهنا على الله، و وقد اجتبانا من بين الأمم هُوَ اجْتَبَاكم، وهنا على الناس بل وهنا حتى على أنفسنا وأهلينا؟ فما هي الدواعي، والعوامل، والخطوب التي أوصلتنا إلى هذا المنحدر السحيق؟ وطوحت بأمتنا حتى جعلتها شلوا ممزقاً ونهباً مقسماً بين الأم؟».
وبعد هذه التساؤلات عن الأمراض التي قادت أمتنا إلى ما هي عليه اليوم بين الشيخ محمد الصواف السبب الأساس، حيث قال: «فلما تركنا أمر ربنا وخالفنا قواعد ديننا، وتنكبنا الطريق المستقيم الذي رسمه الله لنا، و و خط لنا خطوطه واضحة بينة قوية، وأمرنا بالسير فيه وسلوكه، لما سلكنا هذا السبيل المعوج. صرنا إلى ما صرنا إليه من الفرقة، والشتات، والذل والهوان، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء وبلاء إلا وسببه الذنوب، والمعاصي، وترك الأوامر، والنواهي؟» 15.
وقد اشتكى الإمام القرطبي قبل الشيخ الصواف بقرون متطاوله: «فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رَسْمُه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدوّ شرقاً وغرباً براً وبحراً، وعمّت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم». فعلينا بعد أن عرفنا الداء وظهور آثاره في جسم هذه الأمة أن نعمل في جد واجتهاد لبيان حال الروايات والأقوال التي ركن إليها الجم الغفير من أتباع هذه الأمة واستمرؤوا بسببها الفرقة والشتات والذل والهوان، وهذه هي أولى الخطوات في مسيرة الإصلاح الذي يدعو إليه المخلصون من أبناء هذه الأمة. وأمر التأليف في الساحة الإسلامية قد اشتغلت بشأنه عقول العلماء عبر القرون الماضية، فبجانب اهتمامهم في تأصيل العلوم المتبعة في عرض حقائق هذا الدين، فهم قد بينوا المجالات التي ينبغي ألا تخرج عنها أقلام الكتاب.
قال الإمام نور الدين السالمي: «ثم إن التأليف على سبعة أقسام، لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها، وهي: إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره دون أن يخل
بشيء مما عليه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه. وينبغي لكل مؤلف كتاب في فن قد سبق إليه أن لا يخلو كتابه من خمسة فوائد: استنباط شيء كان معطلاً،
أو جمعه إن كان مفرقاً، أو شرحه إن كان غامضاً، أو. حسن نظم وتأليف، أو إسقاط حشو وتطويل» 17.