السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ١٢١

السيرة النبوية.

النَّهَابُ إِلَى الطَّائِفِ

لَمْ تَكُنِ الطَّائِفُ غَرِيبَةٌ على النَّبِيِّ، فَقَدْ رَضَعَ فِي بَادِيَتِهَا أَيْ أَنَّهُ نَشَأَ فِيهِ صَبِيًّا، وَعِنْدَمَا اشْتَدَّ أَذَى قُرَيْشٍ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ وَمَعَهُ مَوْلَاهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَكَانَ يَطْمَعُ وَيَطْمَعُ أَنْ تَجِدَ لَهُ فِيهَا آذَانًا صَاغِبَةً لِدَعْوَتِهِ، لَعَلَّهَا تُعَوِّضُهُ عَنْ

مكة.

غَيْرَ أَنَّهُ وَجَدَهَا أَشَرَّ مِنْ مَكَّةَ، وَوَجَدَ أَهْلَهَا ثَقِيفًا شَرًّا مِنْ قُرَيْشٍ، سُفَهَاءَ لَا أَحْلَامَ هُمْ، فَعِنْدَمَا عَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ مَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا الاِسْتِهْزَاءُ وَالسُّخْرِيَةُ، وَعِنْدَمَا قَفَلَ عَائِدًا خَارِجًا مِنَ الطَّائِفِ أَمَرَ أَكَابِرُ ثَقِيفٍ سُفَهَاءَهُمْ وَصِيَاءَهُمْ أَنْ يَقِفُوا صَفَّيْنِ فِي طَرِيقِهِ، وَأَخَذُوا يَصِيحُونَ بِهِ، وَيَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ، وَبَعْدَ أَنْ تَجَاوَزَهُمْ جَلَسَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ وَدَعَا دُعَاءَهُ المُشْهُورَ: " اللهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّنِ وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهُمَنِي أَمْ إِلَى عَدُوٌّ مَلَكْتَهُ أَمْرِي إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَى فَلَا أُبَالِي غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ عَلَيَّ غَضَبَكَ أَوْ يَحِلَّ عَلى سَخَطُكَ لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله"؛ وَهُنَالِكَ رَأَىهُ عُتْبَهُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ اللَّذَانِ كَانَا فِي بُسْتَانِ هَمَا، فَتَحَرَّكَتْ فِيهِمَا الشَّهَامَةُ وَالمُرُوءَةُ فَأَرْسَلَا خَادِمَهُمَا عَدَّاسَ إِلَيْهِ بِطَبَقٍ مِنْ عِنَبٍ، وَكَانَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنَ

١١٨ / ٦٢٠