Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ١٨٠السيرة النبوية. دُسْتُورُ الْمَدِينَةِ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَكَتَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَادَعَ فِيهِ
الْيَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَشَرَطَ هُمْ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا الْكِتَابُ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، كَمَا سَمَّاهُ المُؤَرِّحُونَ الصَّحِيفَةَ، وَأَطْلَقَ
عَلَيْهِ المُعَاصِرُونَ دُسْتُورَ المَدِينَةِ وَوَثِيقَةَ المَدِينَةِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ الله بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَهُمْ سُكَّانُ المَدِينَةِ آنَذَاكَ يُعْتَبَرُ بِحَقِّ دُسْتُورًا أَي قَانُونَا أَوْ نِظَامًا أَسَاسِيَّا، يُنَظَّمُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالشَّعْبِ، وَبَيْنَ الْمُوَاطِنِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، فَهُوَ قَانُونُ أَسَاسِيٌّ وَاجْتِمَاعِيٌّ، وَلَعَلَّ وَضْعَ النَّبِيِّ: مَا كَانَ بَعْدَ ظُهُورِ الْعَدَاوَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ لِيَقْطَعَ الطَّرِيقَ عَلَيْهِمْ مِنْ إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ.
وَقَدْ عُنِي المُفكَّرُونَ المُعَاصِرُونَ بِتَقْسِيمِ الْكِتَابِ أَوِ الصَّحِيفَةِ إِلَى مَوَادٌ، وَلَعَلَّ أَوَّلَ مَنْ قَامَ بِذَلِكَ التَّقْسِيمِ المُؤَرِّخُ الفَكِّرُ الْهِنْدِيٌّ مُحَمَّدُ حُمَيْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: (الْوَثَائِقُ السَّيَاسِيَّةُ)، حَيْثُ قَسمَهَا إِلَى 47 مَادَّةٌ، أَمَّا الْمُؤَرِّجُ وَالْمُفَكِّرُ الْمِصْرِيُّ حُسَيْنُ مُؤْنِسٍ فَقَدْ
أَوْصَلَهَا إِلَى 70 مَادَّةٌ فِي كِتَابِهِ: (تَارِيخُ الْإِسْلَامِ).
وَفِي رَأْيِنَا أَنَّهَا صَحِيحَةُ النُّبُوتِ، وَسَارِيَةُ المَفْعُولِ، لَبَادِئِهَا الدُّسْتُورِيَّةِ الَّتِي تَتَّفِقُ وَتَتَطَابَقُ وَتَنْسَجِمُ مَعَ المنظُومَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْعَامَّةِ، وَلَعَلَّ تَشْكِيكَ مَنْ شَكَّكَ فِيهَا جَاءَ
مِنْ أَمْرَيْنِ: