السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٣٧

السيرة النبوية.

ثَلاثمائةِ رَجُلٍ يَقُودُهُمْ عَبْدُ الله بْنُ أَي وَبَيْنَما كَانُوا فِي مَكَانٍ يُسَمَّى الشَّوْطَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ، انْخَذَلَ ابنُ أَبي بِأُولَئِكَ الْعَدَدِ الثَّلَاثِمِائَةِ مِنَ النَّاسِ، مُدَّعِيًا أَنَّ النَّبِيِّ لَمْ يَأْخُذْ بِرَأيهِ فِي عَدَمِ الخُرُوجِ، وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي، مَا نَدْرِي عَلَامَ تَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَرَجَعَ بِمَنْ مَعَهُ، وَتَبِعَهُمْ عَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، مُحَاوِلًا إِرْجَاعَهُمْ عَنِ انْخِذَالِهِمْ وَثَنْيَهُمْ عَنْ عَزْمِهِمُ الْمُخْزِي، وَلَكِنَّهُمْ أَبَوْا إِلَّا الإِنْصِرَافَ عَنْ لِقَاءِ قُرَيْشٍ فِي

أُحد.

عَلَى أَنَّهُ فِي رَأْبِي لَيْسَ هَذَا هُوَ السَّبَبَ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ لِانْخِذَالِهِ هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ لا عَلِمَ بِوُجُودِ الْيَهُودِ فِي جَيْشِهِ رَفَضَ ذَلِكَ قَائِلًا: لا أَسْتَعِينُ بِأَهْلِ الشَّرْكِ عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ (1)، وَذَلِكَ رَأْيِّ حَكِيمٌ وَفِي غَايَةِ الْأَهَمِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ شَارَكُوا فِي الْمُعْرَكَةِ لَصَارُوا يُعَيّرُونَ النَّبِيُّ وَالمُسْلِمِينَ بِتِلْكَ المُشارَكَةِ، سَوَاءٌ كَانَتِ النِّيجَةُ انْتِصَارًا أو الهزامًا، وَسَيَظَلُّونَ يَبْتَرُّونَهُمْ فِي الْكَثِيرِ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَعَلَّ النَّبِيِّ تَوَجَّسَ مِنْهُمْ خِيفَةً مِنْ أَنْ يَكُونُوا شَوْكَةً تَطْعَنُ المُسْلِمِينَ مِنَ الْخَلْفِ؛ لأَنَّهُمْ لَا يَرْغَبُونَ فِي انْتِصَارِ المُسْلِمِينَ؛ وَلِذَلِكَ بَقِيَ الجُيْشُ الْإِسْلَامِيُّ فِي سَبْعِمائَةِ رَجُلٍ، وَلَدَيْهِمْ عُدَّةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الْأَفْرَاسِ وَالسَّلَاحِ، وَهُوَ عَلَى الرُّبْعِ مِنْ جَيْشِ الْعَدُو المُكَلَّلِ بِالْعُدَّةِ الحَرْبِيَّةِ أَفْرَاسًا وَسِلَاحًا،

(1) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمُ الْوَصْفُ بِالشِّرْكِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المُسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي

وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).

237

٢٣٢ / ٦٢٠