Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨السيرة النبوية. صُلْحُ الحديبية
بدَايَةُ الْفِكْرَة: الحَج وَالْعُمْرَةُ وَتَعْظِيمُ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ مِنْ بَقَايَا دِينِ النَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِهِ النَّبِيِّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ الْعَرَبُ بِذَلِكَ أَيَّمَا تَمَسُّكِ، وَبِمَا أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَصْحَابَهُ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا قَدْ تَرَبَّوْا فِي مَكَّةَ بِجَانِبِ الْبَيْتِ المُعَظَّمِ، فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ كَانَتْ تَتُوقُ إِلَى زِيَارَتِهِ، وَقُلُوبَهُمْ تَهْفُو إِلَى الطَّوَافِ حَوْلَهُ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَنْصَارُ بِأَقَلَّ شَوْفًا إِلَى ذَلِكَ، فَقَدْ كَانُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ وَقَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّد إلَيْهِمْ لَا يُفَارِقُونَهُ حَبًّا وَعُمْرَةٌ.
لِذلِكَ أَخَذَ الشَّوقُ بهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ وَإِلَى مَكَّةَ كُلَّ مَأْحَدٍ، وَذَهَبَ بِهِمْ كُلَّ مَذْهَبٍ، لِطُولِ عَهْدِهِمْ بِفِرَاقِ الْبَيْتِ، وَقَدْ أَرَى اللهُ نَبِيَّهُ دُخُولَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ مُعْتَمِرِينَ، خلقِينَ رُؤُوسَهُمْ وَمُقَصِّرِينَ، حَيْثُ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَقَدْ صَدَفَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّمْ يَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إن شاءَ اللهُ عَامِنِينَ مُعَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تخافون فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (1). فَأَخَذَ رَسُولُ الله فِي التَّخْطِيطِ لِتَنْفِيذِ مَضْمُونِ هَذِهِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَى وَضْعِ خُطَّةِ المَسِيرِ إِلَى مَكَّةَ، جَاءَهُ بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيُّ مُسِلَّما وَمُوَدِّعًا
(1) الفتح، 27.
338