السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٨٠

السيرة النبوية. رُدُودُ الْأَفْعَالِ

كَانَتْ رُدُودُ الْفِعْلِ مِنْ قِبَلِ المَكْتُوبِ إِلَيْهِمْ مُتَفَاوِتَةً:

فَأَمَّا هِرَقْلُ فَقَدْ كَانَ رَدُّ فِعْلِهِ لَطِيفًا وَمُجَامِلا، وَيُقَالُ: أَنَّهُ أَعْطَى مَبْعُوثُ النَّبِيِّ مَبْلَعًا مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَتَظَاهَرَ بِأَنَّهُ رَاغِبُ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى ظَنَّ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ أَنَّهُ اعْتَنَقَ الْإِسْلَامَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ الْخَبِيرُ بِأَحْوَالِ

النَّاسِ وَالْبَصِيرُ بِأُمُورِهِمْ لَمْ يُصَدِّقُ، فَقَالَ: كَذِبَ عَدُوٌّ اللَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ (1). وَبَحَثَ هِرَقْلُ عَمَّنْ يُؤَكِّدُ لَهُ صِدْقَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، فَصَادَفَ وُجُودَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي غَزَّةَ فِي تِجَارَةٍ لَهُ، فَأَخَذَ إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ مُحَمَّدٍ، فَأَخْبَرَهُ أَبُو سُفْيَانَ صَادِقًا، لأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الْكَذِبَ، وَقَدْ تَأَكَّدَ هِرَقْلُ مِنْ صِدْقِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، وَلَعَلَّهُ اعْتَرَفَ بِذلِكَ، وَيَنْضِحُ مِنْ خِلَالِ الْمَحَاوَرَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ عَلَى اطَّلَاعِ وَإِلَّامٍ بِالدِّيَانَاتِ تَارِيعا وَفِكْرًا. وَأَمَّا المُقَوْقِسُ فَقَدْ كَانَ رَدُّهُ جَمِيلًا رَائِعًا، حَيْثُ بَعَثَ بِجَوَابِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ فِيهِ: ((مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله، مِنَ الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ وَصَلَ كِتَابُكَ وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيهِ وَتَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيًّا قَدْ

(1) الرَّسُولُ الْقَائِدُ، (ص) 326.

380

٣٧٠ / ٦٢٠