Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٢٩السيرة النبوية. رَحْمَتُهُ بِأَقَارِبِه
كَفَالَتُهُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: لم تكن الرَّحْمَةُ وَالرّقَةُ وَالرَّأْفَةُ وَالْعَطْفُ وَغَيْرُهَا مِنْ صِفَاتِ الرَّحْمَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا وَمَيَّزَهُ وَاخْتَصَّهُ بِهَا قَاصِرَةً عَلَى أَقَارِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلْ شَمِلَتْ جَمِيعَ مَخْلُوقَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَيْثُ كَانَ يَتَعَامَلُ مَعَ جَمِيعِ هَذِهِ الْمُخْلُوقَاتِ، سَوَاءٌ مَعَ الْإِنْسَانِ أَوْ مَعَ الْحَيَوَانِ أَوْ مَعَ الطَّبِيعَةِ بِعَامِلِ الرَّحْمَةِ، وَمَا رَحْمَتُهُ بِأَقَارِبِهِ وَعَطْفِهِ عَلَيْهِمْ إِلَّا جُزْءٌ مِنَ الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي اتَّصَفَ بِهَا نَبِيُّ الْإِسْلَامِ صلى الله عليه وسلم فِي جَمِيعِ
أَدْوَارِ حَيَاتِهِ.
لَقَدْ كَانَ لِأَبِي طَالِبٍ وَهُوَ عَمُ الرَّسُولِ فَضْل كَبِيرٌ عَلَيْهِ، فَضْلُ التَّرْبَةِ وَفَضْلُ الرَّعَايَةِ وَفَضْلُ الحِمَايَةِ، وَقَدْ أَصَابَتْ قُرَيْشًا أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ وَفَاقَةٌ قَوِيَّةٌ وَضَائِقَةٌ اخْتَارَ لَمَا البيبُ، وَضَاقَ ذَرْعًا بِهَا الحَييب. وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ المُتَصَدِّي فِي بَنِي هَاشِمٍ المعرُوفُ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ وَعَلَيْهِ يَلْجَزُونَ، وَهُوَ بِجَانِبِ هَذَا كَثِيرُ الْعِبَالِ، فَكَانَ بِطَبيعَةِ الحَالِ أَنْ تَكُونَ الصَّائِقَةُ أَكْثَرَ عَضًا فِيهِ، وَالْأَزْمَةُ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا فِي حَالِهِ، فَتَحَرَّكَتْ فِي نَفْسِ الرُّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ الرَّجُلُ الرَّحِيمُ الرَّحْمَةُ وَالرِّقَةُ حَالِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبِ الَّذِي عَاشَ فِي كَنَفِهِ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ. فَقَالَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الَّذِي كَانَ مَبْسُورَ الحَالِ وَكَثِيرَ المالِ إِنَّ أَخَاكَ أَبَا طَالِب كَثِيرُ الْعِبَالُ وَقَدْ أَصَابَ النَّاسَ مَا تَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَزْمَةِ، فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ فَلْتُخَفِّفْ مِنْ عِبَالِهِ، أَخَذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلًا
وَتَأْخُذُ رَجُلًا فنكْفُلُهُمَا عَنْهُ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: نَعَمْ ".
529