السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٣٢

السيرة النبوية.

وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمُبَارَكَةِ دَخَلَ حَمْزَةُ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَبْلَى فِيهِ بَلَاءٌ حَسَنًا، وَعَزَّ بِهِ الْإِسْلَامُ وَالمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ كَانَ حُزْنُ الرَّسُولِ طَوِيلًا تجيشُ بِهِ الْعَاطِفَةُ بَيْنَ الحِينِ وَالْآخَرِ عِنْدَما تَعْرِضُ لَهُ مَوَاقِفُ تَحْمِلُ فِي طَوَايَاهَا ذِكْرَى اسْتِشْهَادِ ذَلِكَ الْبَطْلِ الْعَظِيمِ، فَلَمَّا اسْتَشْهَدَ حَمْزَةٌ فِي مَعْرَكَةِ أُحُدٍ وَمُثْلَ بِهِ أَبْشَعَ تَثِيلٍ وَقَفَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ: «لَنْ أَصَابَ بِمِثْلِكَ أَبَدًا مَا وَقَفْتُ مَوْقِفًا قَطُّ أَغْيَظَ لِي مِنْ هَذَا، وَعِنْدَمَا

قَفَل عَائِدًا إلى المدينة، وَهُوَ عَلى دُورٍ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَفِيهَا النِّسَاءُ يَبْكِينَ عَلَى قَتْلَاهُنَّ مِنْ شُهَدَاءِ مَعْرَكَةِ أُحُدٍ أَخَذَتْهُ لَهُ الْعَبْرَةُ وَذَرِفَتْ عَيْنَاهُ وَخَرَجَتْ مِنْ لِسَانِهِ تِلْكَ الْعِبَارَةُ الخَالِدَةُ الَّتِي تَفِيضُ رِقَةً وَشُعُورًا إِنْسَانِيًّا رَحِيمًا وَلَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ». وَلِكَنْ مَبْدَأُ النُّبُوَّةِ لَمْ يَتْرُكُ هَذِهِ الْعَاطِفَةَ أَنْ تَأْخُذَ بَجْرَاهَا، بَلْ كَانَ حَاجِرًا فَوِيًّا لَهَا، وذَلِكَ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ الله.

وَقَدْ بَلَغَ سَعْدَ بْنَ مُعَادٍ، وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ وَأَمَرَا نِسَاءَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَنْ يَتَحَزَّمْنَ ثُمَّ يَذْهَبْنَ وَيَبْكِينَ عَلَى عَمْ رَسُولِ الله الله، فَفَعَلْنَ وَسَمِعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بُكَاءَهُنَّ عَلَى حَمْزَةَ، وَقَالَ لَهُنَّ ارْجِعْنَ يَرْحَمُكُنَّ اللَّهُ فَقَدْ آسَيْتُنَّ بِأَنْفُسِكُنَّ». وَقَدْ دَوَّنَ كُتَّابُ السِّيرَةِ الطَّاهِرَةِ مَوْقِفَهُ الْكَرِيمَ الصَّبُورَ مَعَ وَحْشِيٌّ مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَاتِلِ حَمْزَةَ فِي أَحَدٍ، فَعِنْدَمَا جَاءَ وَحْشِيٌّ إِلَى الرَّسُولِ مُعْلِنًا إِسْلَامَهُ بَعْدَ فَتح مَكَّةَ، وَبَعْدَ أَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَأَلَهُ الرَّسُولُ عَنْ قِصَّةِ قَتْلِهِ لحِمْزَةَ، فَقَصَّهَا عَلَيْهِ، وَمَا لَبِثَ أَنْ جَاشَتْ بِهِ الْعَاطِفَةُ، وَانْبَعَثَتْ مِنْهُ الرَّقَةُ، وَلَكِنْ

532

٥١٦ / ٦٢٠