Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٣٧الْهِجْرَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ:
السيرة النبوية. رَحْمَتُهُ الله بِأَصْحَابِهِ
لَمْ يَكُنْ أمْرُهُ لِأَصْحَابِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْخَبَشَةِ إِلَّا نَابِعًا مِنْ رَحْمَتِهِ بهِمْ، وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ يُمَتِّلُونَ الشَّرِيحَةَ الأُولَى لِلْمُجْتَمَع المُسْلِمِ، وَكَانُوا
مِنَ الضَّعْفِ بِمَكَانِ أَمَامَ طَوَاغِيتِ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ الله مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنَ الْبَلَاءِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعَافِيَةِ، بِمَكَانِهِ مِنَ اللهِ، وَمِنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، قَالَ هُمْ: لَوْ خَرْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْخَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ
صِدْقٍ حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ عَرَجًا مِمَّا أَنتُمْ فِيهِ.
وَهَكَذَا نَرَى أَنَّ الْبَاعِثَ إِلَى هِجْرَةِ تِلْكَ الْفِئَةِ المُؤمِنَةِ الْمُسْتَضْعَفَةِ إِلَى أَرْضِ الخَبْشَةِ
هِيَ الرّقَةُ لحَالِهِمُ المؤلَةِ، وَالْعَطْفُ عَلَى وَضْعِهِمُ التَّعِبِ.
إِنَّ وَفَاءَ الصُّحْبَةِ، وَوَفَاءَ البَدَا لَمْ يَتْرُكَا رَسُول الله لِيَبْقَى فِي عِزَّةٍ وَمَنَعَةٍ، وَأَصْحَابُهُ يُقَالُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ أَصْنَافٌ فِي غُدُوِّهِمْ وَرَوَاحِهِمْ، وَهُوَ لَيْسَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَوْفِيرِ ظِلَالِ الْحِمَايَةِ وَالْأَمَانِ عَلَيْهِمْ إِنَّ الْقَلْبَ الرَّحِيمَ لَيَتَفَطَّرَ مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ
وَجَحِيمِ الْعَذَابِ الَّذِي كَانَ يَلْقَاهُ أُولئِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَهَذَا أَمَرَهُمْ صلى الله عليه وسلم بِالْهِجْرَةِ.