Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٣٨السيرة النبوية.
مَعَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ: كَانَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ له مِنْ أَوَائِلِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَحَيْثُ إِنَّهُ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَذُو ثَرَاءٍ فِيهِمْ دَخَلَ عَلَى يَدَيْهِ كَثِيرُونَ فِي الْإِسْلَامِ، وَخَدَمَ الْإِسْلَامَ
بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَضَرَبَ أَبو بَكْرٍ رَقَمَا قِيَاسِيا - إِنْ صَحَ التَّعْبِيرُ _ فِي حُبِّهِ لِرَسُولِ الله وَتَصْدِيقِهِ، وَمَوْقِفِهِ الطَّيِّبِ فِي حَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ يَقِفُ شَاهِدًا حَيًّا عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ النَّاصِعَةِ.
وَلَمْ يَفْتُرْ عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ لِإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَدْعُو إِلَى اللهِ وَإِلَى دِينِهِ قَامَ إِلَيْهِ المُشْرِكُونَ ضَرْبًا وَصْفَعًا، فَكَانَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ يَضْرِبُهُ بِنَعْلَيْنِ تَحْصُوفَتَيْنِ عَلَى وَجْهِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، حَتَّى تَسَاوَى وَجْهُهُ مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبِ فَلَا يَكَادُ يُعْرَفُ أَنْفُهُ، فَسَقَطَ له فَاقِدَ الْوَعْيِ وَاهِيَ الْحِسْمِ فَحَمَلَهُ قَوْمُهُ بِنُو تَيْمٍ، وَهُمْ آيسُونَ مِنْ حَيَاتِهِ، وَقَدِ اسْتَمَرَّ فِي غَيْبُوبَتِهِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، حَتَّى إِنَّ أُمَّ جَمِيلٍ بِنْتَ الْخَطَّابِ لَمَّا رَأَتْهُ هَالَهَا مَا عَلَيْهِ مِنْ تَغَيُّرِ حَالِهِ وَتَدَهْوُرٍ صِحَّتِهِ، فَصَرَخَتْ قَائِلَةٌ: وَاللَّهِ إِنَّ
قَوْمًا نَالُوا هَذَا مِنْكَ لَأَهْلُ فِسْقِ وَكُفْرٍ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَنتَقِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ. وَمَا أَفَاقَ وَقَدِرَ عَلَى الْكَلَامِ كَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ السُّوالُ عَنْ حَبِيبِهِ وَخَلِيلِهِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ؟ حَتَّى إِنَّ قَوْمَهُ بَنِي تَيْمِ اسْتَخَفُوهُ وَمَسُّوا مِنْهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَعَذَلُوهُ وَلَكِنِ الْحُبُّ في الله الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَى الْمُشَاعِرِ وَجَرَى يَجْرَى الدَّمِ فِي اللَّحْمِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ أَبَا بَكْرٍ يَسْتَهِينُ بِكُلِّ مَا لَقِيَ مِنْ عَذَابٍ وَتَنْكِيلٍ،
538