Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٥٢السيرة النبوية.
رَحْمَتُهُ عَامَّةً بِالْإِنْسَانِيَّةِ
رَحْمَتُهُ بِأَهْلِ الطَّائِفِ: لَقَدْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ عَامَّةً وَشَامِلَةٌ، وَقَدْ تَجَلَّتْ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ، وَفِي كُلِّ الظُّرُوفِ، فَبَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِب نَالَ الرَّسُولُ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ مِنَ الْأَذَى الْأَمْرُ الَّذِي حَبَّبَ إِلَيْهِ المسير إلى الطَّائِفِ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا مُتَنَفَّسًا لِدَعْوَنِهِ، وَلَكِنْ كَانَتِ النِّيجَةُ عَكْسِيَّةٌ، وَكَانَ الْأَذَى فَوْقَ مَا يَتَصَورُ. فَقَدْ رَدُّوا عَلَيْهِ رَدًّا فَبِيحًا، وَلَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ بَلْ أَمَرُوا سُفَهَاءَهُم وَأَغْرَوْهُمْ عَلَى
إبدَانِهِ، فَأَخَذُوا يَقْذِفُونَه بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ، وَفِي دُعَائِهِ وَتَضَرُّعِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى بُسْتَانِ ابْنَي رَبِيعَةَ، وَقَدْ أَنهَكَهُ التَّعَبُ وَالْأَذَى مَا يُعَبِّرُ عَنْ فَطَاعَةِ الْأَذَى وَشِدَّةِ الْمُهَانَةِ حَيْثُ قَالَ: «اللهُمَّ إِلَيْكِ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي إِلَى مَنْ تَكِلُنِي تكلني؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إِلَى عَدُوٌّ مَلَكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَى غَضَبٌ فَلَا أبالي، وَلَكِنَّ عَافِينَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَى سَخَطُكَ، لَكَ العتبى حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.
أَثْنَاءَ هَذَا الْوَضْعِ المُؤلِم وَالحَالِ الْقَاسِيَةِ لَمْ تُرَاوِدْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَهْوَةُ الانْتِقَامِ وَلَنَّةُ الْعُقُوبَةِ، بَلْ كَانَ أَجَلَّ وَأَكْبَرَ وَأَشْرَفَ وَأَسْمَى، لَمْ تُفَارِقْهُ الثَّقَةُ بِاللَّهِ طَرْفَةَ
552