السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٥٤

السيرة النبوية.

رَحْمَتُهُ بِالْأَسْرَى: لَقَدْ كَانَتِ الْحُرُوبُ وَالمُعَارِكُ الَّتِي خَاضَهَا الرَّسُولُ تَتَجَلَّى فِيهَا مَظَاهِرُ الرَّحْمَةِ بِشَكْلٍ لَمْ يُعْهَدْ مِنْ قَبْلِ الْبِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرُ وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنِ انْتَهَتْ مَعْرَكَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى الَّتِي انْتَصَرَ فِيهَا الْحَقُّ عَلَى الْبَاطِلِ، وَالْخَيْرُ عَلَى الشَّرِّ، وَالنُّورُ عَلَى الظَّلامِ، أَسَرَ المُسْلِمُونَ عَدَدًا مِنَ الْأَسْرَى المُشْرِكِينَ، وَضَرَبَ المُسْلِمُونَ أَزْوَعَ الْأَمْيْلَةَ فِي حُسْنِ مُعَامَلَةِ الْأَسْرَى بِنَاءً عَلَى أَوَامِرِ نَبِيِّهِمْ حَيْثُ أَوْصَاهُمْ بِقَوْلِهِ: «اسْتَوْصُوا بِالْأَسْرَى خَيْرًا، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْهُمْ أَي الْأَسْرَى بِذَلِكَ. يَقُولُ أَبُو عُزَيْزِ بْنُ عُمَيْرٍ، وَكَانَ أَسِيرًا مُشْرِكًا، وَهُوَ أَخٌ يُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرِ الله: كُنْتُ فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَنْصَارِ حِينَ أَقْبَلُوا بي مِنْ بَدْرٍ فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ خَصُّونِي الخَبْزَ وَأَكَلُوا التَّمْرَ لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهُمْ بِنَا مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةٌ خُبْزِ إِلَّا نَفَحَنِي بِها فَأَسْتَحِي فَأَرُدُّهَا فَيَرُدُّهَا عَلَى مَا يَمَسُّهَا.

ه

وَخَيْرُ دَلِيلٍ عَلَى شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعَطْفِهِ عَلَى الْأَسْرَى عَفْوُهُ عَنْهُمْ، إِذْ قَبِلَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، وَكَانَ يُفَادِيهِمْ عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ تَخْلِيصًا لِفِكَاكِهِمْ مِنَ الْأَسْرِ حَتَّى إِنَّهُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ مَنْ عَلَيْهِ الرَّسُولُ فَأَطْلَقَهُ مِنْ غَيْرِ فِدَاءٍ وَالَّذِي يَعْرِفُ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ وَلَا شَيْءَ لَهُ لِلْفِدَاءِ جَعَلَهُ الرَّسُولُ يُعَلِّمُ أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ لِكَيْ يُتِمَّ إِطْلَاقَ سَرَاحِهِ وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَعْلَمَ الصَّحَابَةِ بِالْفَرَائِضِ مَنْ تَعَلَّمَ بِهَذَا الطَّرِيقِ.

554

٥٣٨ / ٦٢٠