أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

المناسبة كما في مثال «لا يقضي القاضي وهو غضبان»(1)، اشترطت؛ لأنّ عدم المناسبة فيما المناسبة شرط فيه تناقض، وأمّا سواه من الأقسام فلا، فإن التعليل يفهم من غيرها وقد وجد، وهذا إنّما يصح لو أراد بالمناسبة ظهورها، وأمّا نفس المناسبة فلا بدّ منها في العلة الباعثة، ولا تجب في الأمارة المجرّدة(2).

ورجّح الشّماخيُّ، مذهب القائلين بالتّفصيل.

4 - السّبر والتّقسيم: السّبر يُطلق في اللّغة على: الاختبار، أمّا التّقسيم فيُطلق على: الافتراق.

أمّا في الاصطلاح: فقد عرّفه الأصوليّون مُجتمِعَ اللّفظين، ولم يعرّفوه مجزّءا.

فعرّفه الشّماخي بأنّه: «حصر أوصاف الأصل، وإبطال ما سوى العلّة منها، أي أن يحصر الأوصاف الموجودة في الأصل الصّالحة للعلّية، فيُبطل بعضها ويتعيّن التّعليل بالباقي»، ومثّل له بأن يقول المجتهد في قياس الذرة على البرّ في الرّبوية: «بحثت عن أوصاف البرّ، فما وجدت للعلّة في بادئ الرّأي، إلّا الطعم والكيل والقوت، فالطعم والكيل مثلا لا يصلحان للعلّة، فتعيّن القوت»(3).

يلاحظ أنّ هذا المسلك يعتمد على الاستنباط، وليس بدليل من نصّ أو إجماع، فالمجتهد يبحث في الأوصاف الموجودة في الأصل، ويستبعد ما لا يصلح أن يكون علّة منها، ويستبقي ما هو علة بما يترجّح في ظنّه، معتمدا على مدى تحقّق شروط العلّة، بأن تكون وصفا ظاهرا منضبطا متعدّيا مناسبا للحكم(4).

(1) سبق تخريجه.

(2) ينظر: ابن الحاجب، مختصر منتهى السؤل والأمل، ص (2/ 1078)؛ العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى، 317؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 565، 566.

(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 566.

(4) قسّم الأصوليون مسلك السّبر والتّقسيم إلى قسمين:

- التّقسيم الحاصر: وهو الذي يدور بين النفي والإثبات، كأن يقال: ولاية الإجبار على النكاح على غير البالغة، إمّا ألّا تعلّل أصلا، أو تعلّل، وعلى التقدير الثاني: إمّا أن تكون العلة هي البكارة، أو الصّغر، أو غيرها، لا جائز ألّا تعلّل، ولا تكون معلّلة بغير البكارة والصغر؛ لأنّ الإجماع قائم على أنّها معلّلة، وأنّ العلة منحصرة في هذين الوصفين.

- التّقسيم المنتشر: وهو الذي لا يكون دائرا بين النفي والإثبات، أو يكون الدليل على نفي علّية ماعدا الوصف المعيّن فيه ظنّيا، كأن يقول المجتهد: تحريم الخمر بالنّص، إمّا لكونه من العنب، أو كونه سائلا، أو كونه مسكرا، ثمّ يقول الوصف الأوّل قاصر غير متعدّ، والثاني طردي غير مناسب، فبقي الوصف الثالث وهو الإسكار، فيقرّر أنّه علّة. ينظر: الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 671، 672)؛ السعدي، مباحث العلة في القياس، 445 وما بعدها.