أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

مبحث تمهيدي: مسائل متعلّقة باللّغة.

المطلب الأوّل: أهمّية اللّغة في تفسير النّصوص.

تبيّن ممّا سبق أنّ نصوص الكتاب والسنّة هما مصدرا الأحكام، ومرجع كلّ استنباط وسند كلّ دليل، وهذه النّصوص إنّما وردت بلغة العرب، فكان فهمها واستنباط الأحكام منها يتوقّف على معرفة أساليب البيان في اللّغة العربيّة.

من هنا كانت اللّغة العربيّة أحد المصادر الأساسيّة لعلم أصول الفقه، وذات علاقة وثيقة به، ووجه العلاقة بينهما أنّ اللّغة العربيّة هي وعاء الكتاب والسنّة، والكتاب نزل بلغة العرب، والسنّة القوليّة جاءت بلسان الرّسول العربي، والاستدلال بهما مبنيّ على معرفة طرق العرب في الإفهام والفهم، ومن جملة أصول الفقه طرق دلالة الألفاظ على المعاني من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، واشتراك وإجمال، ومنطوق ومفهوم، وحقيقة ومجاز، وهذه كلّها إّنما يتّبع فيها ما جرى عليه عرف أهل اللّغة الذين نزل القرآن بلغتهم.

وقد نالت مباحث اللّغة العربية نصيبا موفورا من اجتهادات علماء الأصول، فقد قاموا «باستقراء الأساليب العربية، وكذا أساليب القرآن والسنّة في تعابيرها عن الأحكام، وأخذوا من هذا الاستقراء وما قرّره علماء اللّغة قواعد لغوية، يتوصّل بها إلى فهم الأحكام من النّصوص الشّرعية، كما يتوصّل بها إلى إيضاح ما خفيت دلالته، وتأويلها التّأويل الصّحيح، وغير ذلك ممّا يتوقّف عليه الفهم الصّحيح للنّصوص»(1).

ولما كانت اللّغة العربية بهذه الأهمّية في فهم وبيان النّصوص الشّرعية، صار لزاما على النّاظر في الأحكام الشّرعية أن يكون على معرفة بها وتمكّن فيها، وقد نبّه الأصوليّون إلى هذا وتعدّدت عباراتهم في ذلك، من ذلك ما قال إمام الحرمين الجويني: «وأمّا الألفاظ فلا بدّ من الاعتناء بها فإنّ الشّريعة عربيّة، ولن يستكمل المرء خلال الاستقلال بالنّظر في الشّرع ما لم يكن ريّانا من النّحو واللغة»(2)،

(1) شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 378.

(2) الجويني، البرهان، ص (1/ 130).