أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٢٤

وكذلك قال الشّاطبيُّ في هذا المعنى أيضا: «إذا كانت عربيّة؛ فلا يفهمها حقّ الفهم إلا من فهم اللّغة العربيّة حقّ الفهم»(1).

المطلب الثّاني: ابتداء اللّغات هل كان توقيفا أو مواضعة؟

تعرّض الشّماخيُّ لبيان اختلاف العلماء في هذه المسألة، بين قائل بأنّها توقيفيّة من الله تعالى، ونسب هذا للأشعري ومن تابعه، وقائل بأنّها اصطلاحيّة أي مِنْ وضعِ البشر، ونسبه للمعتزلة البهشميّة، وقائل بأنّ القدر المحتاج إليه توقيفيُّ والباقي وضعي، ونسبه للإسفراييني.

ثم اختار مذهب القاضي الباقلاني القائل بالتّوقّف؛ معلّلا ذلك بأنّ الجميع ممكن عقلا(2)، ولا دليل قطعي في القول بأنّها توقيفيَّة أو وضعيّة(3).

أمّا الوارجلانيُّ فذكر خلاف الأصوليّين فيها، وسوّغ الاحتمالين؛ إذ لا دليل من العقل أو الشّرع يحسم الخلاف(4).

والحقّ أنّ هذه المسألة مع كونها من مسائل اللّغة، إلّا أنّها لا علاقة لها من قريب أو بعيد بعلم أصول الفقه، فلا ينبني عليها عمل، والخلاف فيها نظريّ، ومبنيّ على مجرّد افتراضات، ومفتقر إلى الدّليل، وقد اعتبر الغزاليُّ خوض الأصوليّين فيها باطلا، فقال-بعد استعراضه لمذاهب العلماء فيها-: «أمّا الواقع من هذه الأقسام فلا مطمع في معرفته يقينا إلّا ببرهان عقلي، أو بتواتر خبر أو سمع قاطع، ولا مجال لبرهان العقل في هذا، ولم يُنقَل تواترا ولا فيه سمع قاطع، فلا يبقى إلا رجم الظّن في أمر لا يرتبط به تعبّد عملي، ولا ترهق إلى اعتقاده حاجة، فالخوض فيه إذا فضول لا أصل له»(5).

المطلب الثّالث: مسألة القياس في اللّغات:

يتّفق العلماء على أنّ القياس لا يجري في الحكم اللّغوي كرفع الفاعل ونصب المفعول ونحوهما؛ لأنّها ثبتت بالاستقراء، كما يتّفقون على امتناعه في أسماء الأعلام والصّفات؛ لأنّ أسماء الأعلام غير موضوعة لمعان موجبة لها كما أنّها غير معقولة المعنى، وأسماء الصّفات واجبة الاطّراد بمقتضى الوضع.

ومحلّ النّزاع إنّما هو في أسماء الأجناس والأنواع الموضوعة على مسمّياتها، والمستلزمة لمعان في محالها وجودا وعدما، كالخمر مثلا فإنّها تطلق على المتّخذ من عصير العنب إذا غلا وقذف بالزّبد، وهذا اللّفظ يدور مع التّسمية وجودا وعدما، فإذا وُجد هذا المعنى في النّبيذ فهل يجوز إطلاق اسم الخمر عليه أو لا؟(6)

ذكر الشّماخيُّ اختلاف الأصوليّين في المسألة، وبيّن أنّ محلّ النّزاع فيها لا يكمن فيما ثبت تعميمه بالنّقل، كصيغة فاعل ومفعول، واسم الزّمان واسم المكان، واسم المصدر، وأفعل من التّفضيل، والصّفة المشبّهة، وسائر أسماء الأجناس، وما ثبت تعميمه بالاستقراء، كرفع الفاعل، ونصب المفعول، وغير ذلك من مسائل النّحو، فهذان القسمان لا خلاف في ثبوتهما بالقياس.

وإنّما ينحصر الخلاف في تسمية معنى مسكوت عنه كالنّبيذ واللّائط والنّباش، باسم معنى معيّن كالخمر والزّاني والسّارق، لمعنى آخر يدور مع التّسمية وجودا وعدما، أي مهما وُجدت التّسمية وُجد الحكم، ومتى انعدمت انعدم، ومثّل لذلك بالشّدّة في الخمر، فإنّ عصير العنب لا يسمّى خمرا إلّا إذا وُجدت الشدّة، فإذا زالت سمّي خلّا.

وأورد مذاهب العلماء في المسألة، فنسب جواز ثبوت القياس باللّغة إلى الباقلّاني(7)، وابن

(1) الشاطبي، الموافقات، ص (5/ 53).

(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 211، 212.

(3) رجّح الشّوكاني هذا الرّأي أيضا، حيث ذكر ستة أقوال للعلماء في المسألة، ثمّ قال: «واحتج أهل القول السّادس على ما ذهبوا إليه من الوقف بأنّ هذه الأدلّة التي استدل بها القائلون لا يفيد شيء منها القطع، بل لم ينهض شيء منها لمطلق الدلالة، فوجب عند ذلك الوقف؛ لأنّ ما عداه هو من التقوّل على الله بما لم يقل، وأنه باطل. وهذا هو الحقّ». ينظر الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 37).

(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 44)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، 392.

(5) الغزالي، المستصفى، ص (1/ 358).

(6) الحفناوي، تذكير النّاس بما يحتاجون إليه من القياس، 159.

(7) اختلف الأصوليّون في نقل رأي الباقلاني في المسألة، فعدّه بعضهم من المثبتين وإلى ذلك ذهب الآمدي والسبكي وغيرهما، ولكنّ الأصح أنّ الباقلاني من النّافين لثبوت اللّغة بالقياس، فقد صرّح بذلك في كتابه التّقريب. ينظر: جلال الدين المحلّي، شرح جمع الجوامع، ص (1/ 345)؛ عيسى منّون، نبراس العقول، 197؛ الحفناوي، تذكير النّاس بما يحتاجون إليه من القياس، 159.