أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٢١المطلب الثالث: الحالة الفكريّة.
يرجع الفضل في تمهيد الحركة الفكريّة عند الحفصيّين، إلى جهود الموحّدين، الذين فتحوا آفاقا فكريّة واسعة أتاحت للحياة الثّقافيّة في عهد الحفصيّين مزيدا من الازدهار والنّضج، فقد قدم الكثير من فقهاء الموحّدين من المغرب مع تأسيس الدّولة الحفصيّة، ولكن حدث أن تأثّر هؤلاء الفقهاء بالطّرق التّعليميّة في العلوم الشّرعيّة المتّبعة في تونس
كما كان للأندلسيّين تأثير كبير في تنشيط الحياة الثّقافيّة والفكريّة بإفريقيا بما جلبوه من حضارة أندلسيّة راقية؛ فقد توافد الكثير منهم إلى تونس نتيجة لسقوط بلدان الأندلس الواحدة تلو الأخرى، فاستغلّ الملوك الحفصيّون هذا الظّرف وشجّعوا الهجرة، وحرصوا على استقدام أكثر ما يمكن من العلماء، الذين توافدوا بدورهم لما لاحظوه من تشجيع وعناية واستقرار(1).
إضافة إلى ذلك، كان للتيّار المشرقي حضور في الحركة الفكريّة، من خلال الرّحلات العلميّة التي كان يقوم بها بعض الحفصيّين إلى المشرق، وما كانوا يجلبونه معهم عند عودتهم من الكتب المشرقيّة، وقد كان لهذا تأثير على الحياة الثّقافيّة، ومن هؤلاء الأعلام ابن زيتون(2)، الذي تلقّى العلم في المشرق، ورجع إلى تونس بعلم كثير فيه تفتّح، وتذكر المصادر أنّه أوّل من أظهر مؤلّفات الفخر الرّازي(3)، وقام بإقرائها بتونس(4).
وقد شجّعت هذه التيّارات الفكرية الملوك الحفصيّين فأقاموا المؤسّسات التّعليمية مثل: الكتاتيب، والزوايا والمساجد، فقامت بدورها فى دعم العلوم المختلفة وتدريسها.
(1) الطّاهر المعموري، مقدّمة تحقيق كتاب الأدلّة البيّنة النّورانية في مفاخر الدّولة الحفصيّة لابن الشّماع، ص 8، 9.
(2) هو أبو القاسم بن أبي بكر اليمني، الشهير بابن زيتون، الفقيه والأصولي التونسي المالكي، ولي قضاء تونس، وتوفي بها سنة 691 هـ. تنظر ترجمته: ابن فرحون، الديباج المذهّب في معرفة أعيان علماء المذهب، تح: محمّد الأحمدي أبو النّور، دط، دار التّراث، القاهرة، دت، ص (1/ 310)؛ الزركلي، الأعلام، ص (11/ 155).
(3) هو أبو عبد الله فخر الدّين محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، الأصولي والفقيه والمفسّر والمتكلّم الشّافعي، ولد سنة 544 هـ، وتوفي سنة 606 هـ، من آثاره:"المحصول من علم الأصول"، "مفاتح الغيب". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (21/ 480)؛ تاج الدين السبكي، طبقات الشافعيّة الكبرى، تح: محمود محمد الطناجي-عبد الفتاح محمّد الحلو، ط 2، هجر للطباعة والنّشر، دم، 1413 هـ، ص (8/ 81).
(4) الطّاهر المعموري، مقدّمة تحقيق كتاب الأدلّة البيّنة النّورانية في مفاخر الدّولة الحفصيّة لابن الشّماع، ص 7.