أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٣

أعطى هؤلاء العلماء إنتاجا فكريّا بارزا غزيرا ومتنوّعا، استفاد منه طلبة المدارس الحفصيّة، وكان أبو العبّاس الشّماخي أحد هؤلاء المستفيدين(1).

إلى جانب الحركة العلميّة في المساجد والمدارس، ميّز العهد الحفصي انتشار واسع لظاهرة التّصوّف، ولم تكن هذه الظّاهرة خاصّة بالدّولة الحفصيّة، وإنّما كانت سمة بارزة في بلاد إفريقية والأندلس، فقد كانت إفريقيّة قُطبُ جَذْبٍ لصوفيّة الغرب الإسلامي والمشرق بخاصّة خلال الفترة الموحّديّة ثمّ الحفصيّة؛ إذ شهدت وِفادة العديد من النّخب الصّوفية، من أمثال أبي الحسن الشّاذلي(2)، وغيره(3).

حيث انتشر الأولياء ومريدوهم، وأُنشئت لهم الزّوايا ممّا جعلها مع الأيّام تتغلغل في طبقات المجتمع، ولقي هذا تشجيعا من قِبَل السّلطة؛ لأنّها وجدت في ذلك خدمة لمصالحها؛ إذ إنّ الفكر الصّوفيّ استطاع أن يمتصّ نقمة الأمّة، وأقنعها بالشّعور السّلبي تُجاه الواقع المرّ الذي كانت تعيشه، كما كان النّاس يعتقدون بأنّ لهؤلاء الأولياء كرامات؛ هذا ما جعلهم يلتمسون الدّعاء منهم، ويسعون لبلوغ رضاهم(4).

وهذا يمثّل مظهرا من مظاهر الانحطاط الفكري والثّقافي في تلك الفترة الزّمنيّة.

(1) مهنّي بن عمر التّيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 122.

(2) هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبّار، رأس الطائفة الشّاذليّة من الصّوفيّة، ولد سنة 591 هـ، وتفقّه وتصوّف بتونس، رحل إلى بلاد المشرق، واستقرّ بالإسكندريّة، وتوفّي بها سنة 656 هـ. تنظر مصادر ترجمته: الزّركلي، الأعلام، ص (9/ 333).

(3) الطّاهر المعموري، مقدّمة تحقيق كتاب الأدلّة البيّنة النّورانيّة في مفاخر الدّولة الحفصيّة لابن الشّماع، ص 9.

(4) ينظر: الوزّان، وصف إفريقيا، ص (2/ 76، 77)؛ مهنّي بن عمر التّيواجني، المرجع السابق، 126.