أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٤

المطلب الرّابع: أوضاع جبل نفوسة وجزيرة جربة.

ما تقدّم يعطي لنا صورة عن الحالة السّياسية والفكريّة السّائدة في الدّولة الحفصيّة التي عاش أبو العبّاس في ظلّ حكمها، وفيما يأتي سأسلّط الضّوء على أوضاع نفوسة وجربة، باعتبار أنّ هذه المناطق هي مراكز الجماعة الإباضية التي ينتمي إليها.

في البداية سأعطي لمحة مختصرةً عن تاريخ انتشار المذهب الإباضي في جبل نفوسة وجربة، ثمّ أبيّن الحالة الاجتماعية والفكرية السّائدة في هذه المناطق في عصر أبي العبّاس الشّماخي.

حرص الإباضيّة في مختلف أدوار التّاريخ على إقامة دين الله فيما بينهم، فإن وُجِدت لهم دولة إسلاميّة تعاونوا معها، وإلّا أوجدوا لأنفسهم نظاما يحفظ كيانهم الدّيني والاجتماعي، سالكين في ذلك مراحل وتنظيمات على حسب مقضيات الظّروف، وهو ما يُعرَف بمسالك الدّين، وهي عبارة عن الطّرق التي يُتوصّل بها إلى إنفاذ الأحكام الشّرعيّة، وتنقسم إلى أربعة أقسام هي: الظّهور، الدّفاع، الشّراء، الكتمان، ولكلّ قواعدها وأنظمتها(1).

وقد كان لهم تواجد كبير في شمال إفريقيا، واستطاعوا في فترات أن يقيموا إمامات، كما تمكّنوا من تشكيل دولة انفصلت عن السّلطة العبّاسيّة عُرِفت بالدّولة الرّستميّة، ودامت أكثر من قرن من الزّمن (160 - 296 هـ)(2).

(1) ينظر: الشّماخي، شرح مقدّمة التّوحيد، تصحيح وتعليق: أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش، دط، القاهرة، مصر، 1353 هـ، ص 50؛ علي يحي معمّر، الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة الأولى نشأة المذهب الإباضي، ط 1، مكتبة وهبة، ليبيا، 1384 هـ-1964 م، ص 93؛ عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضيّة، دط، نشر جمعيّة التراث، القرارة، الجزائر، دت، ص 149.

(2) إبراهيم بحّاز، الدّولة الرّستميّة -دراسة في الأوضاع الاقتصاديّة والحياة الفكريّة-، دط، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1414 هـ-1993 م، ص 81 - 110.