أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٢٧٥

واحتجّ الجمهور على ما ذهبوا إليه بأنّ العرف الشّرعي قضى باتّباعه - صلى الله عليه وسلم -، وعليه فخطاب الله تعالى للنّبي - صلى الله عليه وسلم -، هو خطاب لأمّته، إلاّ إن ورد في الشّرع ما يدلّ على خصوصيّته - صلى الله عليه وسلم - بهذا الخطاب، كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(1)، وقوله: ﴿نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾(2)(3).

ثانيا: هل خطاب الأمّة يشمل النبيّ - صلى الله عليه وسلم -؟

قد يرد في نصوص الكتاب والسنّة خطابات عامة، مثل "يا عبادي"، "يا أيّها النّاس" ونحوها، فهل هذه الخطابات تشمل النّبي - صلى الله عليه وسلم -، أم أنّها خاصة بأمّته دونه؟

ذكر الشّماخي أنّ الخطاب الموجّه إلى الأمّة كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، يشمل الأمّة كما يشمل النّبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا أن يدلّ دليل على خلافه، وذهب البعض إلى أنّه لا يشمله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنّه آمر ومبلّغ.

وردّ الشّماخي على القول الثاني بأنّ المبلّغ هو جبريل، والآمر هو الله -عزّ وجل-، وما النّبي - صلى الله عليه وسلم - إلّا حاك لتبليغ جبريل، كما أنّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفهمون دخوله في الخطاب، فإذا لم يفعل، سألوه موجب التّخصيص(4).

ثالثا: هل يشمل الخطاب العامُّ العبيد والكفّار؟

اختلف العلماء في الخطاب الموجّه للمكلفين هل يشمل العبيد والكفّار؟

ورأي الشّماخيِّ أنّ خطاب الشّارع يشمل الأحرار كما يشمل العبيد، ونقل عن بعضهم القول بأنّ الخطاب مختصّ بالأحرار فلا يشمل العبيد، كما نسب إلى الرّازي القول بشموله لهم في العبادات فقط.

وحجّة المانعين أنّ العبيد عبارة عن مال، كما ثبت في الشّرع عدم دخولهم في بعض التّكاليف كالجهاد والحجّ والعمرة والجمعة وغيرها، فلو كان الخطاب يشملهم لزم التّخصيص، والأصل عدمه.

وردّ الشّماخي على هذا بأنّ عدم دخولهم في تلك التّكاليف مبنيّ على دليل، وأنّ ارتكاب خلاف الأصل بدليل جائز(5).

ويرى الشّماخيُّ أنّ الكفّار داخلون في خطاب المكلّفين، وعلى هذا جمهور العلماء؛ لأنّ الكفار مخاطبين بفروع الشّريعة؛ ولأنّ الإيمان ليس بشرط في التّكاليف الشّرعية.

وذكر أنّ البعض يمنعون دخولهم في الخطاب، والبعض يمنعون دخولهم في الشّرعيات، ومنهم من منع دخولهم في المأمورات دون المنهيات، ولم ينسب هذه الأقوال كما لم يذكر حججها، مكتفيا بردّها(6).

رابعا: خطاب الرّجال هل يعمّ النّساء؟

لكلّ من الرّجال والنّساء صيغة تختصّ به وتدلّ عليه، فلا تعمّ صيغة الرّجال النّساء ولا العكس، ولكنّه إذا وردت بعض الخطابات التي تخصّ الذّكور مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أو ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾، فإن هذه الصّيغة تعمّ الرّجال والنّساء تغليبا، بهذا الرّأي أخذ الشّماخي، حيث ذكر أنّ البعض يمنعون دخول النّساء في خطاب الرجال، مثلما لا يدخل الرجال في خطابات النساء، ثمّ قال: «والصّحيح الجواز للتّغليب، وفهم عائشة -رضي الله عنها- ذلك، فاستأذنت في الجهاد»(7)، وقد أخذ السالميُّ بهذا الرّأي أيضا، وفصّل خلاف العلماء في المسألة(8).

خامسا: خطاب الواحد هل يعمّ غيره؟

إذا خاطب النّبي - صلى الله عليه وسلم - فردا من الأمّة، أو قضى عليه بحكم، فهل يكون هذا الحكم عاما في الأمّة إلا إذا قام التّخصيص؟ أو يكون خاصا بذلك المخاطب؟

ذكر الشّماخي خلاف العلماء، واختار مذهب الجمهور بأنّه يعمّ، ولكن بدليل لا بنفسه؛ واستدلّ بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة»(9)، كما يدلّ على

(1) سورة الأحزاب، الآية:50.

(2) سورة الإسراء، الآية: 79.

(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 382.

(4) الشّماخي، المصدر نفسه، 382.

(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 382، 383.

(6) الشّماخي، المصدر نفسه، 383، 384.

(7) الشّماخي، المصدر نفسه، 383.

(8) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 92).

(9) هذا الحديث قال عنه العراقي لا أصل له، وسئل عنه المزّي والذّهبي فأنكراه، وقد روى مالك في الموطّأ والتّرمذي والنّسائي وأحمد وغيرهم عن أميمة بنت رقيقة قالت: «بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نسوة، فقال لنا:"فيما استطعتن وأطقتن"، قلت: الله ورسوله أرحم بنا منّا بأنفسنا، قلت: يا رسول الله، بايعنا، قال سفيان: تعني صافحنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -:إنّما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» واللّفظ للتّرمذي. ينظر: التّرمذي، السّنن، كتاب الذّبائح، أبواب السّير عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ماجاء في بيعة النّساء، حديث رقم: 1597، ص (4/ 151)؛ النّسائي، السنن الكبرى، كتاب البيعة، باب امتحان النّساء، حديث رقم: 7804، ص (4/ 429)؛ أحمد، مسند الأنصار، حديث رقم: 27051، ص (6/ 357)؛ مالك، الموطّأ، كتاب البيعة، حديث رقم: 3602، ص (5/ 1431)؛ إسماعيل بن كثير، تحفة الطّالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب، تح: عبد الغني بن حميد بن محمود الكبيسي، ط 1، دن، دم، 1406 هـ، ص (1/ 286)؛ شمس الدين السخاوي، المقاصد الحسنة، في بيان الكثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تح: محمد عثمان الغشت، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1405 هـ-1985 م، ص (1/ 312).