أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١مقدمة:
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله، وأنّ ما جاء به حقّ من عند ربّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد،
فإنّ علم أصول الفقه يعتبر من أجلّ العلوم نفعا، وأشرفها قدرا، وأرفعها ذكرا، وأعظمها فائدة؛ فبواسطته تستنبط الأحكام، وبه يُعرف الحلال والحرام، وتضبط أصول الاجتهاد، وتُعرَف من خلاله أسرار ومزايا شريعة الإسلام، والمصالح التي استهدفها الشّارع الحكيم، قال عنه -حجّة الإسلام- أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ): «وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسّمع، واصطحب فيه الرّأي والشّرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو الشّرع والعقل سواء السّبيل، فلا هو تصرّف بمحض العقول، بحيث لا يتلقّاه الشّرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التّقليد، الذي لا يشهد له العقل بالتّأييد والتّسديد»(1).
ولأهمّية هذا العلم اعتنى به العلماء منذ القديم، ويعدّ الإمام الشّافعي (ت 204 هـ) أوّل من صنّف فيه من خلال كتابه "الرّسالة"، ثمّ تواصلت جهود العلماء من شتّى المذاهب الإسلاميّة في تشييد بنيانه وتقوية أركانه؛ فظهرت التآليف المتعدّدة، وبرزت مدرستان تنظّران لهذا العلم وهما:
1 - مدرسة المتكلّمين ويُطلَق عليها: طريقة الشّافعية، وعلى وفقها سار جمهور الأصوليّين من الشّافعيّة، والمالكيّة، والحنابلة، والإباضيّة، والمعتزلة، والشّيعة الإماميّة والزّيديّة.
2 - مدرسة الفقهاء ويطلق عليها مدرسة الحنفيّة وعلى نحوها ألّف معظم الحنفيّة.
وهكذا ظهرت التّصانيف المتعدّدة على كلتا الطّريقتين، وبرزت طريقة أخرى في التّأليف الأصولي، حاول أصحابها الجمع بين الطريقتين واستخلاص طريقة ثالثة.
(1) الغزالي، المستصفى من علم الأصول، تح: محمّد عبد السّلام عبد الشّافي، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1413 هـ، ص (1/ 5).