أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٢٤المبحث الأوّل: الاجتهاد.
تمهيد: أهمّية الاجتهاد.
تعتبر نصوص الكتاب والسنّة، المصدران الرئيسان للفقه الإسلامي، وقد قضى الله -عزّ وجل- أن تكون شريعة الإسلام خالدة ما بقيت السّماوات والأرض؛ ولتحقيق هذا الخلود جاء الكتاب العزيز بقواعد كلّية، وأسس عامّة للأحكام، ولم يعالج القضايا الفرعيّة إلّا بالقدر الذي يوضّح فيه القاعدة العامّة.
وإذا كانت نصوص الوحي متناهية ومحدودة، فإنّ القضايا والوقائع التي تطرأ للنّاس غير متناهية؛ لذلك جعل الله الاجتهاد سبيلا للمؤمنين، ليستنبطوا من نصوص الكتاب والسنّة ما يعالج القضايا والوقائع المستجدّة، والقدرة على استنباط الأحكام الشرعية مِن أدلتها التفصيلية مَلَكَة لا تتوفّر إلا عند قلّة مِن المسلمين، وهُمْ علماء الشّريعة الذين تحققت فيهم شروط الاجتهاد.
وفي بيان أهمّية الاجتهاد يقول الغزالي: «ركن عظيم في الشّريعة لا ينكره منكر، وعليه عوّل الصّحابة بعد أن استأثر الله برسوله، وتابعهم عليه التّابعون إلى زماننا هذا»(1).
وإذا كان الاجتهاد محتاجا إليه في كل عصر، فإن عصرنا أشد حاجة إليه من أي عصر مضى؛ نظرا لتغير شؤون الحياة عمّا كانت عليه في الأزمنة الماضية، وتطوّر المجتمعات، لهذا كان من الضّرورات المعاصرة أن يعاد فتح باب الاجتهاد فيه من جديد، سواء كان ذلك فرديّا أم جماعيّا.
وقد أولى الأصوليّون عناية بالغة لمباحث الاجتهاد، فلا يكاد يخلو مصنّف في أصول الفقه منها.
وتناول الشّماخيُّ مباحث الاجتهاد كغيره من الأصوليّين، حيث خصّص الباب التّاسع من كتابه شرح مختصر العدل والإنصاف؛ لبيان مباحثه المختلفة.
(1) أبو حامد الغزالي، المنخول من تعليقات علم الأصول، تح: محمد حسن هيتو، ط 3، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر المعاصر، دمشق، سوريا، 1419 هـ-1998 م، ص (2/ 6).