أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٣٢٥وسأحاول -إن شاء الله- في هذا المبحث بيان تصوّر الشّماخيِّ ونظرته لمعنى الاجتهاد وشروطه ومجالاته.
المطلب الأوّل: مفهوم الاجتهاد، وبيان مجاله.
الفرع الأوّل: مفهوم الاجتهاد.
أوّلا: لغة: عرّف الشّماخي الاجتهاد في اللّغة بأنّه بمعنى تحمّل المشقّة فقال: «الاجتهاد لغة تحمّل الجهد، وهو المشقّة في أمر، يقال:"اجتهد في حمل حجر الرّحى"، ولا يقال:"اجتهد في حمل خردلة"»(1).
ثانيا: اصطلاحا: أمّا في الاصطلاح فعرّفه بأنّه: «استفراغ الفقيه الوسع، في استحصال حادثة بشرع»(2).
ثم فسّر قيود حدّه كالآتي:
- الاستفراغ: ومعناه أن يبذل طاقته، بحيث لا يجد في نفسه زيادة وإن طلبها.
- الفقيه: احترز بلفظة "الفقيه" عن استفراغ المقلّد طاقته، فلا يعدّ ذلك اجتهادا.
- في استحصال حادثة: احترز بلفظة "حادثة"، عن الأحكام المنصوص عليها، فلا اجتهاد مع وجود النّص.
- بشرع: أخرج بهذه اللّفظة الحسّيات والعقليّات التي لا شرع فيها(3).
(1) ينظر: الشماخي، شرح مختصر العدل، 505؛ ابن منظور، لسان العرب، مادة "جهد"، ص (3/ 257).
(2) ذكر الأصوليّون عدة تعريفات للاجتهاد، ولم يكد يخل تعريف منها من الانتقادات، والتّعريف الذي أورده الشّماخيُّ قريب من التّعريف الذي ارتضاه البيضاوي، الذي عرّف الاجتهاد بأنّه: «استفراغ الوسع في درك الأحكام الشّرعية».
ولعلّ من أضبط التّعاريف، التي ذكرها الأصوليّون للاجتهاد قولهم بأنّه: «بذل الفقيه وسعه بالنّظر في الأدلّة؛ لأجل أن يحصل له القطع أو الظّنّ بأنّ حكم الله في المسالة كذا»؛ ينظر: القاضي البيضاوي، تح: شعبان محمد إسماعيل، ط 1، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1429 هـ-2008 م، 247؛ الشّنقيطي، مذكّرة أصول الفقه على روضة النّاظر، 485.
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 505.