أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ٩٤

المبحث الأوّل: المقدّمات

تمهيد: علاقة أصول الفقه بعلم الكلام والمنطق.

إنّ النّاظر في مصنّفات علم أصول الفقه يدرك أنّها قد تأثّرت عبر العصور بعلوم أخرى كالمنطق الأرسطي و علم الكلام؛ وهذا التّأثّر ناتج عن تأثّر المؤلّفين بتلك العلوم.

ويظهر هذا التأثّر الكلامي بخاصّة في المؤلّفات الأصوليّة على منهج المتكلّمين، فتجد فيها الكثير من المسائل الكلاميّة؛ حتّى أنّه استقرّ عند الأصوليّين اعتبار علم الكلام من روافد علم الأصول؛ فقد بيّن ذلك إمام الحرمين الجويني في مقدّمة كتابه "البرهان في أصول الفقه" فقال: «حقّ على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلوم أن يحيط بالمقصود منه وبالمواد التي منها يستمد ذلك الفن وبحقيقته وفنه وحده … فأصول الفقه مستمدة من الكلام والعربية والفقه»(1).

وعلّل الآمديُّ ذلك بأنّ العلم بكون أدلّة الأحكام مفيدة لها شرعا متوقّف على معرفة الله تعالى، وصفاته، وصدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به(2).

ويتجلّى توظيف الأصوليّين لعلم الكلام؛ من خلال اعتمادهم عليه في الاستدلال على قواعد علم الأصول ومسائله، وذلك كالبحث في الدّليل، وانقسامه إلى ما يفيد العلم والظّن، ومعرفة الدّليل والنّظر، والحاكم هل هو العقل أم الشّرع؟ والتّحسين والتّقبيح من حيث صلتهما بالأحكام التّكليفيّة، وغيرها من مباحث علم الكلام المبثوثة في كتب الأصول(3).

فالكثير من المسائل الكلاميّة صارت مشتركة بين علم الكلام وأصول الفقه؛ كمسائل الأخبار، وحجّيّة المتواتر، وأخبار الآحاد، ومسائل التّكليف، والاستطاعة، والإكراه، وغيرها.

(1) الجويني، البرهان في أصول الفقه، تح: صلاح بن محمّد بن عويضة، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1418 هـ-1997 م، ص (1/ 7)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 17).

(2) الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق، سيد العربي، دط، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1402 هـ، ص (1/ 24).

(3) ينظر: عبد الوهّاب أبو سليمان، الفكر الأصولي، 22، 23؛ محمد العروسي، المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين، دط، مكتبة الرشد، دم، دت، 13.