أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ٩٥وقد أرجع الغزاليُّ إكثار المتكلّمين من المسائل الكلامية في مصنّفاتهم إلى ولعهم به وحبّهم له، فقال: «وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليّين لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصّنعة»(1).
كما يظهر تأثّر الأصولييّن(2) بعلم المنطق من خلال المقدّمات المنطقيّة التي كانوا يصدّرون بها مؤلّفاتهم؛ فقد جرت العادة عندهم على تصدير مؤلّفاتهم الأصوليّة بمقدّمة حول العلم والمعرفة، حيث يتّعرضون لمفهوم العلم وأقسامه وطرقه ومفهوم الفكر ومقدّمات الاستدلال، وغير ذلكم من المسائل المنطقيّة، وهو ما يُصطلح عليه بمباحث العلم والمعرفة، ويعدّ إمام الحرمين الجويني أوّل من حاول مزج أصول الفقه بالمنطق الأرسطي، وجاء من بعده تلميذه أبو حامد الغزالي فأشاد بعلم المنطق، واعتبره من شروط الاجتهاد، حيث خصّص له مقدّمة ضافيّة في كتابه المستصفى(3).
ولم يشذّ الشمّاخيُّ عن هذا المنهج؛ حيث ظهر التّأثر الكلامي والمنطقي في كتابه جليّا، فقد تناول بعض المسائل الكلامية، وبخاصّة في باب التّكليف والاستطاعة، وبعثة النّبي وبلوغ الحجّة، كما كان توظيفه لعلم المنطق ظاهرا أيضا من خلال تقسيم الألفاظ ودلالتها وفي ضبط الحدود والتّعاريف(4).
وقد استهلّ كتابه "مختصر العدل والإنصاف وشرحه" بمقدّمة حوت التّعريف بأصول الفقه، وبيان حدّ العلم وأقسامه وطرقه، ومقدّمات البرهان وأنواعها، والتّعريف بالعقل والجوهر والدّليل، إضافة إلى ذلك تناول فيها الدّلالات اللّغوية، وأقسام الألفاظ.
هذا وقد حاول في اختصاره لكتاب الوارجلاني أن يخلّصه من المباحث الكلاميّة، حيث صرّح بذلك في مقدّمة كتابه فقال: «وكان كتاب العدل المنسوب إلى الإمام الحافظ أبي يعقوب يوسف بن
(1) الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ص (1/ 15).
(2) ينظر: علي سامي النّشار، منهج البحث عند مفكّري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، ط 3، دار النّهضة العربيّة، بيروت، لبنان، 1404 - 1984 هـ، 79 وما بعدها.
(3) ينظر: الغزالي، المصدر السابق، ص (1/ 17)؛ مصطفى باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 104.
(4) ينظر: مهني التيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، صفحات 167 - 169؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 110؛ باجو، الوارجلاني أصوليّا، 201، 202.