مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١١المقدمة
المقدمة
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسولِه، وعلى عباده الذين اصطفى ومن تبعهم. وبعد: على طريق الحياة الممتدّ تتوزّع آراءُ النَّاس، وتختلف مذاهبهم، وتتعدد اجتهاداتهم، وتتباين خطواتهم في كل ما يعرض لهم؛ غير أنَّهم لم يُجمعوا - تاريخيًّا - على شيء كإجماعهم الكاسح المتضافر على حقيقة الوجود الإلهي، تلك الحقيقة التي لم تَغِبْ شمسها عن سماء ألبابهم، ولم تَحجُبْ أشعتها عنهم غيومُ أوهامهم، يُشنّف البدوي أذُنَك - وهو في خيمته المنزوية في ناء - بترنيماته وأهزوجاته عن الله، ويغمرك الجبلي في قُنَّة جبلهِ الشَّامخ المنيف بفيض نفسه الهادئة المستمدة من نور الله، ويُوقظ السَّاحلي فكرك بهدير ذكر الله وعَبْهَري نسيمه الفواح، ويذهب بك الصوفي بمواجدِه الإلهيَّةِ كلَّ مذهب؛ فتنتفض ولها وهياما بالله كأنك تراه، ويدهش عقلك الفيلسوفُ ببديع فلسفته وعمق تأصيله في سيره إلى الله، ويشْدَه قلبك المعملي في معمله بين مجهرِه وأدواته فينزع قلبك من بين جنبيك - بلا استئذان - فيطير بك إلى الله إنَّك أمام أحق الحقائق وأقدس الأقداس، إِنَّه الإله الكبيرُ المتَعَال …
ولئن استعر الملحد من إلحادِه أو تَضرَّج وجهُهُ منه فإنَّ حال المؤمن - مع الإيمان - حال المفتخر، يعلنه بلسانٍ طَلق ذلق، ويُقبل عليه بنفس أرحب من الفضاء، يسير في طريقه بنَفْسٍ واثقة، وعزيمةٍ حَذَاءَ، وعرارةِ عزم لا تَني ولا تلين، يقف شامخًا مناطحًا السماء بمنكبيه على أرض لا تتزعزع ولا تتصدع حتى يرث الله الأرضَ ومن عليها، ولكن مع كل هذا الاندياح الهائل للعطاء الإلهي على الكون بأسره شاملًا كل ما حواه فإنَّنا نجد من بني البشر من صغر خدَّه، وزَمَخ بأنفه، ونظر إلى عطفه متمرّدًا على من إليه المرجع والمعاد؛ ليخروا بهذا من علياء التكرمة الإلهية والتجلَّة الرحمانية متهاوين على رؤوسهم إلى وهدة العدمية؛ ليسيروا في ركاب التائهين ويلجوا سكة التيه، وبهذا قضت كلمة الله وجرت سنته الماضية في خلقه، فمن اهتدى فإنَّما يهتدي لنفسه، ومَن ضلَّ فإنَّما يضلُّ عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
11