مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٢مناجزة الإلحاد
إنَّنا نلحظ - في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة رجوع النَّاس إلى الإيمان في الغرب - ارتفاع حالات الانجراف نحو الإلحاد في عالمنا العربي! نعم؛ لم نجد الإحصاءات الدقيقة المتحدثة بلغة الأرقام عن حجم هذا الانجراف الإلحادي، لكننا بدأنا نشعر به ونتلمسه في نوعية الثقافة الفكرية التي تخطّها تخطها بعض الأيادي وتنطق بها بعض الألسن في وسائل التواصل الاجتماعي، وبدأت تنتقل بشكل متزايد إلى فضاءات أوسعَ تحت مسميَّات الأدب والفن والفكر الحر، ويمكن أن نتلمس هذا - كذلك - ممَّا سنضعه بين يديك لاحقًا أيُّها القارئ العزيز من بعض الأرقام التي يمكن الاستئناس بها، ولما مرَّ كان لا بد من وقفة جادة، ورحلة بعيدة جدا، فكان
(مُنَاجَزَة الإلحاد).
إنَّنا بعملنا هذا لَنَشرُف بوضع لَبِنَةٍ متواضعة في بنيان المسيرة الخالدة، نضعها ونحن واقفون على أكتاف الجيوش المؤلهة من العلماء والفلاسفة والأدباء عبر التاريخ اللاحب الممتد، غير أنَّ وقوفنا على أكتافهم لا يعني التَّقليد المحض والاستسلام الكامل لكل ما أتلوه وسطروه، فمعرفة ا الله لا لا تقليد فيها، بل إنَّها لتفقد معناها عندما يطرقها التقليد، وتخبو جذوة الاستمداد منها في قلوب المقلّدين، ليصبح حال أصحابها كحال ذاك الذي قرر أن يستند إلى خُصّ مائل فإذا به يتهاوى بغتةً وتطوّح به ريحُ الشُّبهة في مكان سحيق! إنَّ استمدادنا من السابقين استمداد ذاكر للفضل استمداد بعيون مفتوحةٍ وعقل ليس للبيع أو الرهن، نقف وإيَّاهم على صعيد واحد رافعين رايةً واحدةً: راية الانتصار لتعضيد مقولة الإيمان.
في رحلتنا هذه كثيرًا ما قدمنا وأخَّرنا وأثبتنا ومحونا؛ من أجل أن نلملم الموضوع من جميع أطرافه، ونحيط به من أقطاره بمعادلة تبتغي الإيجار مع الاستيعاب نعم؛ هي معادلة عزيزة المنال، صعبة المرتقى، لا نزعم أننا بلغنا فيها الغاية التي لا مزيد عليها، ولا أننا خلعنا على قدودها حُلَلَ الكمال، ونترك للقارئ الحكم بمدى التوفيق للوصول إليها من عدمه، ولكن حسبنا
أننا استفرغنا الوُسْعَ؛ فنرجو أن لا يستطيل رحلتنا هذه ملول، وأن لا يستكثرها مشغول.
لقد ركبنا في رحلتنا هذه متن البرهان عند معالجتنا المسائل المطروقة بين دفتي الكتاب؛ ابتداءً من تحريرنا لمفهوم الإلحاد، مرورًا بأطواره التَّاريخيَّة، ودوافعه ومذاهبه، وفلسفته، وإشكالاته ومشكلاته عليها، وختما بكشّاف تناقضاته، فكان البرهان معتمدنا في رحلتنا الطويلة هذه، وقد شفعناه بأخيه النَّفَسِ الطَّويل؛ فسالك مثل هذه الرحلة محتاج إليه لا محالة؛ نَفَس طويل في تتبع
12