مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

مناجزة الإلحاد

أطوار تخلُّقِ الإلحاد في أُوروبا

لم يُكتب التوفيق لتلك المحاولات الشجاعة التي ناكفت الموروثات الدينية الكنسية وناكثتها في خضم عصور الانحطاط الأوروبية)، فماتت في مهدها بقدرة قادر وبالضربات القاصمة التي

تلقتها جراء المحاكمات الكنسية التي عادةً ما تنتهي بالتنكيل والإعدام بأرسانِ المشانق! مضت تلك المحاولات أدراج الرياح، وظلت الكنيسة هي الينبوع الوحيد الذي يستقي النَّاسُ منه المعارف بأصنافها المختلفة، فالكنيسة بجانب الكتاب المقدس وما ينطق به من معارف؛ اعتنقت بضعة آراء أخرى تتوافق مع أفكارها الدينيَّة، تمثلت هذه الآراء في التَّصوراتِ العلمية التي كان يتبناها كل من أرسطو وبطليموس حول منظومة الكون، فكانت تلك المعارفُ (الأرسبطليموسية) فاعلةً وناجعةً من القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن الخامس عشر، ثمَّ أُحيلت إلى التقاعد بعد ذلك، وطاب للكنيسة أن تعتبر هذه الآراء جزءًا لا يتجزأ من كيانها

المعرفي المقدس.

ثم ما برحت أن بدأت تباشير فجرٍ جديد تلوح في الأفق البعيد، فعندما قرر الإيطالي ماركو بولو (Marco Polo حَوْضَ غمار الاستكشاف العالمي، ألهب ذلك خيال الأوروبيين، ودفع بهم دفعًا حثيثا إلى ارتيادِ العالم تسفارًا وتجوالًا، وفتّح أعينهم الضَّيقة على العالم الواسع. كذلك ماركو بولو ساعدت الصلاتُ الثَّقافية بين أوروبا والحضارة الإسلامية التي كانت في صقلية وجزيرة أيبريا على بعث الح العلمي النقدي الأوروبي من

أجداثه، وممَّا أعطى قوَّةً لتدفق مادَّة تلك الصلات هو الوضع الأوروبي في الحقبة ذاتها؛ حيث

1 - هناك تنبيهان مهمان بهذا الصدد؛ الأوَّل: الانحطاط لم يشمل جميع مجالات الحياة الثَّاني: لم يكن الانحطاط عالميا ولا إقليميا بل انحصر في قطاعاتٍ أوروبيَّة محدّدة وإن كانت واسعة الأرجاء. 2 - رحالة إيطالي ولد في البندقية (1254 - 1324 م) اختلف المؤرخون في وصوله إلى الصين، فأشار بعضهم إلى عدم وجود ذكر له في الكتابات الصينية المعاصرة له - وقد يكون معروفًا باسم آخر - وأكدت المؤرخةُ البريطانية فرانس وود - رئيسة الدائرة الصينية في المكتبة البريطانية - أنَّ ماركو بولو لم يصل إلى الصين (يُنظر: فرانس وود ماركو بولو هل وصل إلى الصين، ص 15 - 24).

124