مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٢٥المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
شَهِدَ ظهور علماء يتميزون بمنهج فكري إبداعي متحرّر من القيود الكنسية، ولا ننس تأثير انتقال علماء الإغريق إلى إيطالية في إضفاء لمسةٍ مهمَّةٍ على طابع الحس العلمي النقدي الأوروبي، وكذا ما كان لاختراع الطباعة من أثر عظيم في ذلك، فقد مكنت - بوتيرة لم تكن متخيلة - من نشر الأفكار الجديدة التي أثارت القلق والشكوك في الشُّؤون الدينيَّةِ الكنسيَّةِ، وأججت الهواجس والأرق في نفوس كهنة اللاهوت، وخلقت حالةً من عدم الاستقرار الديني يشقُ على السلطات الكنسية أن تحتويها أو تسيطر عليها.
كذلك تم إحياء الدراسات الإغريقية والرومانية القديمة - التي ظلت
لمئات السنين حبيسة أقفاصِ التَّحريم الكَنَسي - بفضل كبير يعود إلى الإيطالي دانتي أليغييري Date Alighieri () مقويا بذلك أركان الحركة
(2)
اللغة
دانتي اليغييري
الإنسانية (Humanism) وداعمًا لها، فقد ارتأى في ملحمته الشهيرة (الكوميديا (الإلهية استعمال اللغة الإيطالية المحلية كبديل عن اللاتينية التي كانت متربعةً على عرش اللغات بفضل الممارسات الكنسية المقدَّسة؛ إذ كانت الصَّلواتُ والشَّعائر والنُّصوص الدينية غير معتمدة إلا بختم الجودة الاتيني، فأحدثَ التَّغييرُ اللُّغوي الذي نسجته الكوميديا (الإلهيَّة موجةً مماثلة اجتاحت الأنحاء الأوروبية (3)، فأُنشئتِ المكتبات وانتشرت الأكاديميات وبزغت روحُ الشَّك والنقد والبحث عن الحقيقة، وبدأ الفرد الأوروبي يتحرَّرُ من ربقة السياسةِ التي لبث في براثنها قرونًا مديدةً کعبدٍ وتابع للأمراء، وتسارعت وتيرةُ الازدهار التجاري والاقتصادي، فانتعشت الفنون الجميلة، وتوالدت اللغات الأوروبية الحديثة من رحم اللاتينية التي هيمنت واستحكمت بسلطان كنسي، وبدأت ملامحُ التَّمتُّع بملذات الحياة تتفشى، فأعقبه انسلاخ عن القيم التي تربى عليها الفرد الأوروبي في ظل الحكم الكنسي، وما لبث الأمرُ على حاله حتى انفتحت للاستعمار أبواب على مصاريعها بحجج من هنا وهناك وبعد أن لبث المنهج الأرسطي - القائم على
1 - يُنظر: إسحاق عبيد، عصر النهضة الأوروبية، ص (13 - 13).
2 - كاتب وشاعر إيطالي (1265 - 1321 م اختار من العلوم الطب والفلسفة، لكنَّه أولى اهتمامه للأدب والشعر، ذهب في مهمَّةٍ رسمية إلى روما للتّفاوض مع البابا مدافعا عن مصالح الملك وساعيًا إلى الفصل ما بين السلطتين السياسية والدينية، وعلم قبيل عودته بإدانته بتحريض العدو السياسي، وبقي ملاحقا منفيًّا حتَّى وفاته. (يُنظر: الموسوعة العربية العالمية). 3 - للتوسع؛ يُنظر: لويس عوض، ثورة الفكر في عصر النهضة الأوروبية. ويُذكر بأن بارا كيلسوس (1493 م) كان أوّل من اجترأ على أن يُلقي دروسه بلغة العامة (الألمانية). (يُنظر: سلامة موسى، ما هي النهضة، ص 9).
125