مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٣١المبحث الثالث: أطوار تخلق الإلحاد في أوروبا
استنبطها القائلون بالنَّظريَّة من الأقدمين كهيراكليت ونيسيتاس، بل اكتفى بمجرد بعثها من مرقدها، حتَّى قيل بأن منظومته ليست سوى أُغنية جديدة بلحن قديم؛ ولذا فإنَّ أثر كوبرنيكوس البالغ تمثل في الجرأة على مخالفة الفكر الديني كنقطة تحول من الناحية العلمية والنقديَّة؛ أي إنَّ نقده ومخالفته للعرف الكنسي هو الأثر الأبلغ في حدّ ذاته. ولأنَّ الفيزياء الأرسطية كانت هي المحور الذي يُرتكز عليه علميًّا؛ لم يستطع كوبرنيكوس إثبات فرضيَّته؛ إذ إنَّها تُخالف المنهج الأرسطي؛ مما ولد نقدًا شديدًا تجاهها، فغالبيَّةُ النَّاس لم تر أي مصداقية لها خصوصا مع عدة اعتراضاتٍ كَنَسيَّةٍ عليها - وإن كان بابا الفاتيكان آنذاك قد صادق عليها بحذر بالغ (2) - ويُذكر أنَّ الكنيسة التي كانت بأمس الحاجة إلى تقويم دقيق للشعائر والصلوات والمناسبات قد أدركت أثر الأخطاء في الحسابات التقليديَّة، فسعت إلى إصلاح الخلل عن طريق الاستعانة بكوبرنيكوس المغضوب عليه!
وجود
إنَّ ما يراه أكثرُ الباحثين من القول بأنَّ كوبرنيكوس قد أحدث ثورةً علميَّةً قلبت الموازين، هو في حقيقته ثورة بأثر رجعي تراكمي، وليس أمرًا أصيلا ومباشرًا، ويُمكن تحديد هذا الأثر في أربعة أمور:
- فتح كوبرنيكوس بجرأته بابَ النَّقد على مصراعيه فيما يخص المعارف العلمية الكنسية. - كشف عن وجود أخطاء في المنظومة الكنسيَّة؛ مما يعني ضرورة إخضاعها لمشرحة النقد. - الاعتماد على التجربة في بناء النظريات الطبيعية وعدم الاقتصار على المنهج الكنسي. - مصادرة الكنيسة - لاحقًا - لفرضيَّته ومنعها لكتبه ومنشوراته التي نسج فيها خيوط فرضيّته (3). ونقول بأنَّ الأثر كان رجعيًّا وليس أصيلا؛ لأنَّ النُّقاط المهمة التي أضافها كوبرنيكوس إلى رصيده كانت حقوقها محفوظةً لأناس بادروا إليها قبله، وإنَّما طرق التعاطي مع القضيَّة كانت هي
عصر
1 - يُنظر: نور الدين حاطوم تاريخ النهضة الأوروبية، ص (111 - 124). 2 - علق مارتن لوثر على نظرية كوبرنيكوس قائلا: "إنَّ كوبرنيكوس أحمق أراد أن يقلب علم الفلك رأسًا على عقب. (يُنظر: كارن آرمسترونغ، الله لماذا، ص 280). ولكن في الحقيقة فإنَّ هؤلاء العلماء من أمثال كوبرنيكوس لم يكونوا يُصادمون الدين أو يتمردون عليه، فهم يعترفون بأنَّ علمهم هذا هو تتبع لخطوات الخالق وفهم لقوانين خلقه.
- في عام (1616 م) أعلن المكتب المقدَّس بالفاتيكان أنَّ مركزيَّة الشَّمس والأرض المتحركة مبادئ شاذة من قبيل الهرطقة، وصدر مرسوم بإدراج كتاب كوبرنيكوس في قائمة الكتب المحظورة، وفي عام (1835 م) تم رفع الحظر عنه. (يُنظر: ويليام تي فومان، وداعًا نظرية مركزية الأرض، ص 207).
131