مناجزة الإلحاد أحمد التميمي

مناجزة الإلحاد

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

مناجزة الإلحاد

هي

باتباع منهج الملحوظات الميدانية المباشرة، وأتت هذه الملحوظات أكلها في كثير من الأحيان؛ ولذا نجد بأنَّ أشهر العلماء في تلك الحقبة هم الذين ترعرعوا في أكناف الطبّ ككوبرنيكوس وجاليليو، وقد أنبأنا التَّاريخُ بأنَّ إسحاق نيوتن كان مهتما أيضًا بالطب والصيدلة ومزج الأدوية

لمعالجة الناس ()، فالطبّ حياةٌ وسيظل كذلك على الدوام؛ لأنَّ اهتمامه كوبرنيكوس منصب على الإنسان وما يتعلّق بكيانه وكينونته. لقد كان العلم التجريبي

في بدايته مهتما بالإنسان أكثر من غيره، ثمَّ أدار رأسَ اهتماماته نحو الكون والطبيعة، ولعلَّ الانطلاقة العلميَّة الحقيقية في أوروبا كانت من علوم الكونيات - وهذا يُذكّرنا بالانطلاقة العقلية التحررية عند اليونان كذلك فالنظر في أصل الكون ومحاولة فهم الحياة بعيدا عن الأساطير والموروثات ابتدأ عندهم من الجذر الكوني - فبعد أن كانت فكرة ثبات الأرض ومركزيتها الفكرة المهيمنة التي أخذت بتلابيب العلم واللاهوت (4)، فاجأ الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس (Copernicus) (3) أوروبا بإعادة نفخ الروح في نظرية مركزية الشمس التي وارتها كثبان التاريخ، وبهذا يكون كوبرنيكوس قد سلم راية المركزية للشمس بعد أن انتزعها من يد الأرض؛ مما يعني مخالفةً صريحة للفكر اللاهوتي السَّائد وقد نشر كوبرنيكوس كتابه في دوران الأفلاك في عام (1543 م))، ولم يلق صدى في بادئ الأمر؛ باعتبار أنَّ كوبرنيكوس - كما يرى بعض الباحثين - كان ضعيف اللحظ والنقد، ولم يُضف جديدًا على الملحوظات القديمة التي

1 - يُنظر: جيل كريستيانسن، إسحاق نيوتن والثورة العلمية، ص 19.

2 - كان العلم واللاهوت يأخذان بالفرضية (الجيوسنترية) وهي الفرضية التي تنص على سكون الأرض وثباتها ودوران الكواكب حولها مما يعني مركزيتها، وتقابل هذه الفرضية وتنازعها فرضيَّةُ (الهليوسنترية) والتي تنصُّ على مركزية الشمس ودوران الأرض والكواكب حولها. (يُنظر: ولتر ستيس الدين والعقل الحديث، ص 71). 3 - عالم فلك ورجل دين بولندي (1473 - 1543 م) سافر إلى إيطاليا ودرس الرياضيات في روما، وعاش فيها أجواء النهضة. (يُنظر: أيوب أبو دية، العلم والفلسفة الأوروبية الحديثة، ص 95).

4 - بعد وفاة كوبرنيكوس بـ (427) عاما - وتحديدًا في عام (1970 م) - اكتشف باحث يُدعى ديفيد كينج أنَّ كوبرنيكوس سرق معظم أفكاره من العالم العربي ابن الشاطر المتوفى عام (777 هـ)، وبعد ثلاثة أعوام (ثبتت التهمة حين عُثر على مخطوطات عربية نادرة من بينها معادلات ابن الشاطر في جامعة (كراكو) التي درس فيها كوبرنيكوس، وكان ابن الشاطر الدمشقي يعمل مع مجموعةٍ كبيرة من علماء الفلك في مرصد مراغة شرق بغداد)، ووضع تصورًا لنظام الأجرام السَّماوية مشابهًا للنظام الذي أعلنه كوبرنيكوس بعد (150) عاما، ليس هذا فحسب بل إنَّ كوبرنيكوس نقل (بطريقة كربونية) الرُّسوم الإهليليجيَّة للكواكب التي وضعها ابن الشاطر وأصدرها في كتابه المشهور (دوران الأجسام السماوية)، أما نماذجه الخاصة بالكواكب العليا ودوران القمر فكانت متطابقةً بشكلٍ مريب مع النماذج التي وضعها العلماء المسلمون في مرصد مراغة. يُنظر: مقالة فهد الأحمدي ابن الشاطر القائد الحقيقي للثورة الأوروبية الحديثة، صحيفة الرياض الإلكترونية، 4/ 12/ 2014 م).

130