مناجزة الإلحاد
الجزء ١ · صفحة ١٣٣المبحث الثالث: أطوار تخلقِ الإلحاد في أوروبا
جاليليو جاليلي
بمرقبه الذي أوضحَ الحُفَرَ المرتمية في أحضانِ القمر والبقع المتطفلة على الشمس)؛ ليُدلّل بهذا على عدم اكتمال هذه الاجرام خلافا لما كان مزعوما أرسطيًّا، فالحُفَر والبقع التي رصدها مرقابه تدلُّ على أنَّ الشَّمس والقمر مجرد جرمين مصنوعين من مواد مشابهة لمواد الأرض، ولأنَّ موقف جاليليو العلمي كان أكثر حسمًا وصرامةً من كوبرنيكوس فقد ناهضته الكنيسة الكاثوليكية وأدانته، وقد كان لبعض أعدائه من داخل المنظومة الكنسية وخارجها يد في ذلك، ومن هنا أخذ موقفُ الصراع بين العلم والدين يُشمّر عن سواعده ويقرع له ظُنْبُوبه؛ بيد أنَّ جاليليو لم يكن ليناه الدين بآرائه، بل على النقيض من ذلك، فهو يرى بأنَّ العلم والدين مبحثان منفصلان لا يتصادمان، ولربما كان لأسلوبه الحماسي وكذا طريقة تعامل الكنيسة معه مضاعفات أدَّت إلى نشوب عراكٍ وتشابك بالأيدي بين المبحثين من حينها (3). وبالإمكان تحديد أهم التَّطورات التي أحدثها جاليليو على المسرح الفكري: - مخالفة الكنيسة حينما برهن على إثبات النَّظرة الكوبرنيكيَّة بعد أن أدانتها الكنيسة (3). - اختلاق أرضية صراع بين العلم والدين (حماسه وإصراره + طريقة تعامل الكنيسة معه). - تفسير الكون بالآلية الرياضيَّة بعيدًا عن (السرّ الإلهي) الذي تبنَّاه من كان قبله. وحسبك من إصرار جاليليو قوله لابنته مستنكرًا جهلَ الكنيسة الفاضح: "هل إلهنا غبي؟! “ هذا الاستنكار ذاع صيته وانتشر في الآفاق الأوروبية، ومن حينها تقوّت شوكةُ الشَّك والارتياب، وعلى الرغم من تدعيم كبلر الرياضي وتدعيم جاليليو الرصدي لفرضيَّة كوبرنيكوس ظلت مفتقرةً إلى إطار نظري شامل يحويها، وهذا الافتقار استدعى ظهور عبقرية من نوع آخر، عبقرية ستقلب المفاهيم العلمية المتوارثة وتؤسّس لنظريَّةٍ ميكانيكية تُفسّر ظواهر الكون.
1 - يُراجع: كمال محمد، وفتح الله الشيخ اكتشافات وآراء جاليليو، ص 113.
2 - يُذكر أنَّ الكنيسة أرغمت جاليليو على أن يكتب خلاف ما توصل إليه من دوران الأرض حول الشَّمس، فجعلته يكتب مكرها أمام ناظريها: "الأرض لا تدور". وهو في أثناء كتابته يتمتم باللاتينية: "ولكنها تدور، ولكنها تدور … !
- بعد (90) عامًا من مصادقة بابا الفاتيكان على نظرية كوبرنيكوس؛ وضعت الكنيسة كتابه الذي ضمن فيه نظريته على قائمة المحظورات والممنوعات
133